فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
، وينهى عن قتل النساء والشيوخ والصبيان، ونحو ذلك. قال أبو حامدٍ الغزالي - رحمه الله - في معرِض الحديث على التوسُّل إلى الحسنة بالسيئة: «فهذا كلُّه جهل، والنية لا تؤثِّر في إخراجه عن كونه ظلمًا وعدوانًا ومعصيةً، بل قصده الخير بالشر - على خلاف مقتضى الشرع - شر آخر، فإن عَرَفَه فهو معاندٌ للشرع، وإن جَهِله فهو عاصٍ بجهله، إذ طلبُ العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم» (5) ، ويؤكِّده قولُ ابن تيمية - رحمه الله: «ليس كلُّ سببٍ نال به الإنسان حاجتَه يكون مشروعًا ولا مباحًا، وإنما يكون مشروعًا إذا غلبت مصلحته على مفسدته ممَّا أَذِن فيه الشرع» (6) .
هذا، وتحريم هذه الأساليب التدميرية والأعمال التهديمية والعمليات الانتحارية ليست قاصرةً على حقِّ المسلم بل تتعدَّى إلى الكافر، سواء كان ذِمِّيًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا لقوله - تعالى: ? وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ? [التوبة: 6] ، والأمان إذا ما أعطي لكافرٍ ولو كان محاربًا سواء أعطاه هذا العهد شخصٌ طبيعي من المسلمين، أو شخص معنوي كالدولة أو الهيئات، رسمية أو غير رسمية، فلا يجوز الغدر به، سواء دخل بلاد المسلمين لحاجتهم، أو لحاجة نفسه، لقوله - تعالى: ? وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ ? [النحل: 91] ، وقوله - تعالى: ? وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا ? [الإسراء: 34] ، وقوله - تعالى: ? وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ ? [الأنعام: 152] ، وقد شهد الكفار للنبي - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - أنه لا يغدر، بل جعله - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - من صفات المنافقين في قوله - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ» (7) ، وأكّد وجوب احترام العهد بقوله - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ عَامًا» (8) ، ويدخل في عقد الأمان مع الكافر أي مسلم ولو كان المؤمِّنُ امرأةً، لقوله - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأ دِماَؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ - أي: العَهد - أَدْنَاهُمْ» (9) ، ولما أجارت أمُّ هانئ - رضي الله عنها - رجلًا مشركًا عامَ الفتح أراد عليٌّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن يقتله، ذهبت إلى النبي - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - فأخبرته فقال: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» (10) ، ولا شكّ أنَّ وسيلة التفجير والتدمير والانتحار والاغتيال وغيرها فاسدة بهذا الاعتبار، واستخدامها عملًا دعويًّا تأباه شريعة الإسلام بما تجرُّه من مهلكات عظام، ومفاسد وآثام، فمن جملتها:
-هلاك الناس بالاعتداء على حرمة بلاد المسلمين، وترويع الآمنين فيها، وإزهاق أرواح الأبرياء والأنفس المعصومة، وإتلاف لأموالهم وجهودهم، وتضييع ممتلكاتهم.
-كما أنَّ استخدام وسائل العنف والبطش يؤدي إلى ردِّ فعلٍ عنيفٍ مضادٍّ، وبطشٍ يعادله أو أقوى منه، الأمر الذي يسبب نشر الفتن والفوضى في الأُمَّة، وإضعافًا لقوتها وشَقًّا لترابطها وتلاحمها، ويفتح ثغرًا على المسلمين يتسلط منه أعداء الأمة والدِّين. كما تنعكس سلبياته على مجال الدعوة إلى الله - تعالى -، وتتقهقر بالتضييق على أهلها وروادها بشتَّى أنواع الأساليب.
هذا، وبالمقابل فإنَّ المسلمين الذين لهم دولة ذات سيادة ومَنَعَة فمن حقِّهم الأكيدِ أن يسوسَهم ولاةُ الأمور بالحقِّ والعدل، بأن يحموا لهم دينَهم - الذي هو عصمة أمرهم - بكافة محاسنه وقِيَمه من أي تبديل أو تغيير أو تشويه أو تحريفٍ، وأن يحفظوا ديارَهم وأموالهم من كيد الأعداء والتسلُّط على بلادهم واستغلال خيراتهم، وأن يصونوا أعراضهم المعصومةَ، لأن أعراض المسلمين متكافئة، ذلك لأنّ حِفْظَ هذه الضروريات من مسؤولية ولاة الأمر لقوله - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (11) ، فإنَّ من ثمرات إقامة
(يُتْبَعُ)