فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أيها الأحبة: إن ما تتعرضون له اليوم من ابتلاءات وإشاعات , يصب في الجانب الإيجابي لا السلبي , وانظر إلى الشائعة التي نشرها المنافقون في حق عائشة - رضي الله عنها - , كيف يعلق الله عليها في كتابه إذ يقول:"إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (النور:11) , أيها الأحبة: يكفينا من الابتلاءات أنها ترفع درجاتنا عند رب الأرض والسموات , فقد أخرج ابن ماجه من حديث أنس أنه قال: قال الرسول- صلى الله عليه وسلم:"إن عظم الجزاء مع عظم البلاء", وعند ابن ماجه أيضا , من حديث أبي سعيد الخدري قال:"دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك. فوضعت يدي عليه , فوجدت حرة بين يدي فوق اللحاف , فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك!!! قال: إنا كذلك , يضعف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر , قلت: يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء قال (الأنبياء) قلت يا رسول الله ثم من؟ قال (ثم الصالحون) , إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر , حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها , وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء", وإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول لعائشة:"أجرك على قدر نصبك", وأختم بكلام جميل لابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة يقول:"فإذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم , وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله , واحتماله مالم يحتمله نبي قبله , وتلون الأحوال عليه , من سلم وخوف , وغني وفقر , وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه , وتركه لله , وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه , وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى , من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء عليه والبهتان , وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله يدعو الى الله , فلم يؤذ نبي ما أوذي , ولم يحتمل في الله ما احتمله , ولم يعط نبي ما أعطيه , فرفع الله له ذكره , وقرن اسمه باسمه , وجعله سيد الناس كلهم , وجعله أقرب الخلق اليه وسيلة , وأعظمهم عنده جاها , وأسمعهم عنده شفاعة , وكانت تلك المحن والابتلاءات عين كرامته , وهي مما زاده الله بها شرفا وفضلا , وساقه بها الى أعلا المقامات , وهذا حال ورثته من بعده الامثل فالأمثل , كل له نصيب من المحنة , يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له , ومن لا نصيب له من ذلك , فحظه من الدنيا حظ من خلق لها وخلقت له , وجعل خَلاقه ونصيبه فيها , فهو يأكل منها رغدا ويتمتع فيها , حتى يناله نصيبه من الكتاب , يُمتحن أولياء الله وهو في دَعة وخفض عيش , ويخافون وهو آمن , ويحزنون وهو في أهله مسرور , له شأن ولهم شأن , وهو في واد وهم في واد , همُّه ما يقيم به جاهه , ويسلم به ماله , وتُسمع به كلمته , لزم من ذلك ما لزم , ورضى من رضى , وسخط من سخط , وهم المؤمنين إقامة دين الله وإعلاء كلمته , وإعزاز أوليائه وأن تكون الدعوة له وحده , فيكون هو وحده المعبود لا غيره , ورسوله المطاع لا سواه , فلله سبحانه من الحكم في ابتلائه أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين , ما تتقاصر عقول العالمين عن معرفته , وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة , إلا على جسر المحنة والابتلاء , قال الشاعر: كذا المعالي إذا ما رمت ندركها ... فاعبر اليها على جسر من التعب."أ. ه
حتى يميز الله الخبيث من الطيب
أيها الأحبة: لا بد أن يكون بين الموحدين , الأدعياء الكاذبون في انتمائهم وولائهم لهذا الدين , وهؤلاء لا يَكشف حقيقتهم إلا الابتلاءات والمحن , لذلك فإن من أعظم حكم الله في ابتلائه لخلقه , أنه يكشف عن بواطن الرجال فيميز صادقهم في الانتماء من كاذبهم , قال الله تعالى:"أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ... وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" (العنكبوت:3,2) , وقال سبحانه وتعالى:"مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ"
(يُتْبَعُ)