فهرس الكتاب

الصفحة 12476 من 28557

لكن لنفترض أن الشيخ قد أخطأ فيما قال، من الذي له الحق في الرد عليه, أأولئك الصحفيون الذين لا يعرف أغلَبُهُمْ أحكامَ الطهارة والصلاة, بل منهم من لا يؤمن بجدوى هذه الأحكام, أم أن الذي له حق الرد هم العلماء، الذين يمتلكون أدوات التمييز بين الحق والباطل, وبين الصواب والخطأ؟

وإن مما يَحُزُّ في النفس أن إحدى القنواتِ التلفزيةِ المُغْرِضَةِ, والمعروفةِ عند الخاصِّ والعامِّ بمواقفها من الدِّينِ وأهلِهِ, أنها أجرت استطلاعا للرأي مع عدد كبير من المارَّةِ، حول هذه المسألة [أي مسألة الزواج بالصغيرة] دون خجل أو حياء, وكأن الأحكام الشرعية ينبغي أن تُعْرَضَ على الرَّأْيِ العامِّ، وعلى رَجُلِ الشَّارِعِ, حتىَّ يَبُثَّ فيها برأيه, فيُصْبِحُ الرَّأْيُ العامُّ هو الأصل المُعْتَبَرُ في التشريع بَدَلَ القرآن والسنة.

لِِمَ لا وقد صار تحكيم رجل الشارع في قضايا الأمة المصيرية، مِنْ أهم مظاهر التمدن والتَّحَضُّرِ والدِّيمقراطية.

وتأمل يا أخي رعاك الله إلى هذا التوصيف الدقيق ممن لا ينطق عن الهوى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحالنا المؤلم، ولهذه الرَّزِية التي لا يُعَبِّر عنها أصدقُ من الواقع الْمَعِيشِ.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إن أمام الدَّجَّال سِنُونَ خدَّاعَاتٍ, يُكَذَّبُ فيها الصادقُ, ويُصَدَّقُ فيها الكاذبُ, وَيُخَوَّنُ فيها الأمينُ, ويُؤْتَمَنُ فيها الخائن, ويتكلم فيها الرويبضة"الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار وسنده جيد، ومثله لابن ماجه, مِنْ حديث أبي هريرة وفيه"قيل وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسوا الله - صلى الله عليه وسلم: «"سيأتي على الناس سنواتٌ خدَّاعَاتٌ يُصَدَّقُ فيها الكاذب, و يُكَذَّب فيها الصادق, ويؤتمن فيها الخائن ويُخَوَّنُ فيها الأمين, وينطِقُ فيها الرويبضة."

قيل: وما الرويبضة؟

قال: الرجل التَّافِهُ يتكلم في أمر العامَّةِ"»."

أخرجه ابن ماجه و الحاكم و أحمد عن أبي هريرة وحسنه الشيخ الألباني في سلسلته الصحيحة, وذكر رواية أخرى عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ:"إنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً ..."الحديث مثله, إلا أنه قال:".. الفُوَيْسِقُ يتكلَّم في أمر العامَّة". أخرجه أحمد (3/ 220) . و رجاله ثقات لولا عنعنة ابن إسحاق.

قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث:

«وقد رأينا أكثر هذه العلامات, وما بقى منها فغير بعيد.»

شرح ابن بطال لصحيح البخاري

إن علماء الملة اشترطوا لنقد العلماء شرطين:

1 ـ الرسوخ في العلم.

2 ـ سلامة القصد.

لكن المخجل أن المقالات التي اطَّلعْتُ عليها في تلك الجرائد التي تصدَّت للردِّ على الشيخ, لا تَتَّسِمُ بالموضوعية, وَلاَ تَمُتُّ للعلم بصلة, إنما هي سخرية واستهزاء ورسوم كاريكاتورية {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} سورة النور الآية: 11

وبهذا تفتقد هذه المقالاتُ الشَّرطين المذكورين, إذ أن السخرية والإستهزاء واللمز, هي أساليب العاجز عن المواجهة, الفاقِدِِ للعلم, الفاقِدِ لسلامة القصد, الدَّاخِلِ تحت وعيد قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) } سورة المطففين من الآية: 29 إلى الآية: 33

إن التاريخ يعيد نفسه كما يقال, بل إن نبينا عليه الصلاة والسلام قد أخبر عن رجوع الأمر إلى مثل ما كان عليه في الزمان الأول من الغربة.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -مرفوعا: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء». رواه مسلم وأحمد من حديث ابن مسعود, وفيه:"مَنِ الغُرَبَاءُ؟"قال: «النُّزَّاع مِنَ القبائل» . وفي رواية: «الغرباء الذين يَصْلُحُونَ إذا فَسَدَ الناس» وللترمذي من حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: «طوبى للغرباء الذين يُصْلِحُونَ ما أفسد الناس من سنتي» .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت