من هنا يبدأ محمد أركون يصيغ أفكار مشروعه"نقد العقل الإسلامي"الذي يقصد - كما قلنا -"أنسنة القران"من خلال تسليطه النقد على التراث الإسلامي كمنتج تاريخي بشري يمتد إلى الكتاب العزيز"على شاكلة النقد التاريخي الأوروبي للأناجيل التي مارسها"دانييل روجيه" وهذه هي روح الحداثة التي يعنيها أركون من مشروعه، أو القول الفلسفي للحداثة كما أوضحها الفيلسوف الألماني"مورغن هابر ماز"، هذه الحداثة التي يراها أركون وحدها القادرة على زحزحة الموضوعات التقليدية نحو إشكاليات جديدة، وعلى زحزحة العقائد الراسخة والمسلم بها في التنظيرات التقليدية والارثوذكسية التي تصب في النهاية في العلمنة التي يعنيها أركون للعقيدة - بالمعنى الإيماني لكلمة عقيدة - على حد تعبيره -، والتي تصبح هدفا في مشروعه كله".
والمعنى الإيماني للعقيدة عند أركون لا يتحقق - عند المسلمين - إلا بالخروج مما أسماه بـ"السيادة اللاهوتية"للفكر الذي يشتغل عليه العقل الإسلامي؛ الذي لا يتحقق إلا على أيدي الفلاسفة الذين يهتمون باللاهوت، ولكن ينظرون إلى اللاهوت بمعايير عقلانية خاصة بالفلسفة، وهذا - كما يقول - ما يجب أن ندرسه ونفهمه حتى نقرأ النص القرآني ونستخرج الخصائص التي يختص بها هذا الخطاب القرآني عن جميع الخطابات التي نجدها عند الفقهاء، عند الفلاسفة اللاهوتيين، عند المفسرين، عند المؤرخين .... ، وهذا هو البرنامج الحقيقي لنقد العقل الإسلامي"."
تأسيسا على ذلك، يمكن القول أن محمد أركون يفاصل - في مشروعه - بين عقلين فلسفيين: العقل الفلسفي الذي يخضع النصوص المقدسة إلى الفلسفة التي وضعها الإنسان ونزع البعد الإلهي عنها، وهو ما يحاول ممارسته على القرآن، وبين العقل الفلسفي الذي يؤطر النص الديني بالإلهي ...
... كما هو متأطر معرفيا في الممارسة الإسلامية، وهو ما يحاول إقصاءه عن إدراك الفكر الإسلامي في مشروعه التجديدي حيث أنسنة القران، أي محاولة صناعة قطيعة معرفية بين المدرك الفكري الإسلامي ومصدرية التشريع الرباني، وذلك من خلال صياغة مفاهيمية جديدة للنص القرآني في سياق أدبي يتكئ على بعد زمني تاريخي، وهو ما يعنيه بقوله"الانسنة ترجمة لكلمة عربية منتشرة جدا في الأدب العربي الكلاسيكي وتعني الآداب، كالشعر والرواية .. الخ وهو ما يعطي العقل الاستقلالية الكاملة عن اللاهوت الديني، ليصبح في هذه الحالة النص الديني عبارة عن نصوص بشرية خارجة عن فضاء المقدس".
يمكن ملاحظة مدى تقاطع هذه المقاربة الاركونية الأدبية الشعرية الروائية للقران، ورواية القران في تكذيب هذه الدعوة التي ادعتها"الوضعانية - الاعتقاد بمعزل عن الوحي - العربية في الجاهلية"قديما في عصر البعثة النبوية وتنزيل القرآن؛ بغية فصل النص القرآني عن مصدره الرباني وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعه - القرآن - في سياق زمني بشري (شعر، أسطورة، كهانة، ... الخ، قابل للشك في يقينيته الربوبية، حيث يرد الله تعالى هذه الفرية عن صاحب الرسالة [وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ(69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ] (70) " [يس:69 - 70] . وهذا تماما ما يعنيه الدكتور علي حرب - أحد اليساريين المتقاطعين مع فكر محمد أركون - في فلسفة نقد الدين، واصفا المشروع الأركوني بالقول"إنه لا يقتصر على نقد الأحاديث والتفاسير، ولا يكتفي بتفكيك الأنساق الفقهية والمنظومة العقائدية، بل يتوغل في نقده وتفكيكه وصولًا إلى الأصل الأول أي إلى الوحي الإلهي"."
هذه الرؤية الناقدة للوحي هي التي تتجسد عند أركون فيما بعد لوضع مبدأ عالمية القران،"لأن القرآن - بحسب زعمه - يؤسس وعيا خاصا بالعلم والتاريخ والدلالة"، وهو يريد أن يتجاوز تمهيد هذه الرؤية وذلك الوعي إلى انسنة القرآن بجعله عالميا أي غير مرتبط بالفكر الإسلامي من جهة، ومن جهة أخرى يمكن لأي قارئ أن يفسره بحسب تكوينه الثقافي ومتغير الواقع بخضوع النص - كنص تاريخي - لذاتية المفسر، متأثرا في هذا بالفيلسوف الفرنسي"جاك دريدا"في نقده للنص اللاهوتي في الغرب، إذ يقرر أسبقية الصوت على الكتابة ليخرج بنتيجة منطقية مفادها انه ليس للنص معنا ثابتا، حيث لا تعني نوايا الكاتب
(يُتْبَعُ)