شيء إذا ما أردنا خلق للمعنى، وهذا ما يحاول أركون تنزيله على النص القرآني بفصل معانيه عن حاكمية السلطة البيانية للقرآن - خروج المعنى عن سياق النص وفضائه اللغوي - التي يصالحها عليها محمد عابد الجابري في تمكين النزعة البرهانية على النزعة البيانية السائدة في الخطاب الإسلامي، وهو ما يرده أركون إلى خصائص العقل التفكيكي عند ممارسته في الثقافة العربية التي ستجد وعيا إنسانيا جديدا في المجتمع العربي منعتقا من النظرة اليقينية المطلقة أو ما يسميه السياج الدوغمائي المغلق - الجمود على الحقيقة والموروث - للعقل الإسلامي.
وفي مقابل دوغمائية العقل الإسلامي وأحكامه اليقينية القطعية - تراثا كان أو نصا دينيا-"يميز أركون بينه وبين العقل الحديث أو العقل المنبثق الذي يتميز بأنه عقل شكاك وارتيابي؛ لأنه يعرف أن الواقع أكثر تعقيدا وغزارة من أي فكر يمكن استنفاذه تماما، فهناك دائما مفاجآت وانقطاعات وصدف فريدة عجيبة، أما الفكر الدوغمائي فيستسلم لقناعاته وينام عليها، في حين أن الواقع يمشي ويتحرك"يعتقد أركون قصور القران عن حركة هذا الواقع؛ مما ينبغي إيجاد لغة موحدة للقرآن من خلال المعاني التي تنطبع في العقل من المحتوى الثقافي للقارئ أو المفسر، لها قدره على مساوقة روح العصر والحداثة التي تصب في صالح استقلال الإنسان"كلما راح العقل يكتسب استقلاليته وينتزعها من السيادات العليا الخارجة عليه - الوحي - أو الشريعة، كلما كبرت مسئوليته في جعل المعرفة ذروة عليا للسيادة والهيبة المحترمة والمقبولة من الجميع".
وهكذا، يحاول أركون نزع قداسة النص القرآني بتفكيك أبعاده الثلاثة: الثبات، الحقيقة، اليقين، لينطلق في مشروعه من منطلق"كون سلطة العقل اجتماعية، تاريخية، فإنها ضد الأحكام القطعية اليقينية الحاسمة، لأنها تتعامل مع العالم الواقع والنصوص بوصفها مشروعات مفتوحة متجددة"حداثوية الفهم، نسبية الحقيقة، متحولة الثبات، مستريبة المعنى.
"ومن ثم يحذر أركون من التورط مرة أخرى في بناء منظومة معرفية أصيلة ومؤصلة للحقيقة، لأنها سوف تؤدي لا محالة إلى سياج دوغمائي مغلق كما في الممارسة الفكرية الإسلامية،"ولأن العقل - الحداثوي - المنبثق حاليا يحارب هذه السياجات المغلقة التي تبقى في منأى عن أي نقد، في حين يسمح هذا العقل لذاته بان يحتج وبأن يلغي ما كان أنتجه سابقا ويقبل بالعودة إلى خطاه ضمن مناهج النقد لفلسفة المعرفة في عقل لا يكتسب معارفه بصورة حاسمة ونهائية، بل ثمة دوما مجال للعودة والتراجع"."
عن ضرورة تكريس الإيمان بنسبية المعرفة ونسبية الحقيقة لدى العقل الإسلامي، يقول أركون"ينبغي أن نتقبل شيئا أساسيا يعبر عن منجزات الحداثة العقلية ألا وهو نسبية الحقيقة، ونسبية الحقيقة تتعارض جذريا مع مطلق الحقيقة أو الاعتقاد بوجود الحقيقة كما ساد سابقا في كل الأوساط الدينية، فالعقل المنبثق حديثا؛عقل يقبل تعدد التأويلات ولا يدفع عن طريقة واحدة في التأويل".
ضمن هذا المنظور يعتقد أركون انه"بات من الضروري التخلي عن تلك الرؤى الإسلامية"الأرثوذكسية"التي تعرض على أنها تمثل"دين الحق"وتقدم للناس حقيقة مطلقة، ثابتة، متعالية على مختلف الحقائق النسبية المتحولة، لان الحق نفسه خاضع للتاريخية!!".
ولنلاحظ أن أركون يعمم هذه الأفكار على النصوص، تراثا كانت أو نصا دينيا، ومن هنا تبدأ المصيبة.
يحاول أركون إذا الدعوة إلى إسلام جديد بكل ما في الكلمة من معنى، بتفريغه المحتوى العقدي الإسلامي من مضامينه وأصوله المتعالية القائمة على الحق والتصرف الإلهي المستغرق لجميع مفردات الرسالة معنىً ومقصدا، واستبدالها بإسلام دنيوي يتقزم عند حدود الإنسان وفهمه والبنى المجتمعية والعلوم الانثروبولوجية محاولا أن يماهي بين النصوص المحرفة كالإنجيل والتوراة وممارسة النقد عليها، وبين القرآن الذي ينبثق من خطاب الوحي أصالة، ولذلك صلة بالعقل الإنساني الحداثوي عند أركون، العقل الذي يحترم الحقائق التاريخية، الحقائق المجتمعية، الحقائق اللغوية، التي تترجم الفكر الواحد والمعنى الواحد.
(يُتْبَعُ)