يتبينه الا مدقق يحسن توجيه ألفاظه ومصطلحاته واستدلالاته، ومن كان يحسن هذا فهو يحسن كذلك - بالتبعية - إنزال ما يقول على الواقع وضرب الأمثلة له .. فالكلام في هذا العلم كما درج عليه أئمته لا يكون في صورة قواعد صماء وألفاظ واسعة عريضة منبتة عن استقراء المسائل الفرعية المتعلقة بتلك القواعد، وربط هذا بذاك .. ولكن يكون كلاما دقيقا موزونا لا ينفصل عن الاستدلال والتمثيل!
وقلما ترى في مقالات الكثيرين من أصحاب تلك النزعة الى تجديد أصول الفقه وقواعد النظر في الشرع أي تمثيل، وان وجدت فانه لا يكون في العادة الا مما تقوم به الحجة على الكاتب لا له، لأنه يقع بسبب تقعيده الفاسد (أو على الأقل غير المحكم) في مخالفة ما استقر عليه اجماع الأمة وعملها أحيانا وهو لا يدري - او يدري ولكنه لا يعبأ به ولا يرى من حجيته شيئا -، أو يأتي بقول لا سلف له فيه في مسألة قد انتهى نظر القرون الفاضلة فيها الى أقوال معلومة جرى بها عمل المسلمين قرونا طويلة دون غيرها، أو نحو ذلك، ولا يرى في ذلك بأسا لأنه يظن أن مخالفيه لا متمسك لهم ولا منطلق الا ما يسميه بالنصوصية والتقليد المذموم (وتغليب النص على المصلحة) وكذا، وليس الأمر كذلك أبدا، وانما هو الذي أتي من قبل جهله!!
وكلامي هذا في عامة من يكتبون في علم الأصول بهذا النفس (الحداثي) وبذلك القصور العلمي في فهم ما كان عليه المتقدمون في أصول النظر، وان كانوا يصرحون بتبرئهم من الحداثيين والعصرانيين ونحوهم!!
وعلى أي حال، فلما راجعت ما كتبتُ، وجدت أنني قد وقع مني فعلا في موضعين اثنين شيء من التحامل والقسوة البالغة على الكاتب، وربما كان ما قلت فيهما سببا في أن يظن الظان أني أتكلم (كأني علامة) أو أني أتكلم في واد غير ما فيه صاحب المقال أو نحو ذلك.
والموضعان هما:
/// تعقيبي على قوله:"والخوف في العصر الحاضر من الردة خوف مشروع بسبب ضعف البنية الإسلامية وشراسة الهجمة المعادية، غير أن الارتداد عن الإسلام ليس ظاهرة اجتماعية إطلاقًا وإنما يقتصر الأمر على حالات فردية تفرحنا أكثر مما تسوؤنا لأنها تنفي عن ساحتنا الخبث والنفاق،"
بقولي:
"اذا فأنت تشجع القول باسقاط حد الردة، لأنه في نظرك يشجع على الخبث والنفاق!!!!! لعله قد تبين الآن طبيعة الحرية التي يطالب الكاتب بها!!"
والظن أنه لو روجع لنفى ذلك بشدة ولقال أنه لا يلتزمه بحال من الأحوال .. ولكني أسأل كل قارئ رشيد يسمع هذا الكلام، ما الذي يتبادر الى ذهنك على أثر هذا الكلام من الظن بزمان كزمان أبي بكر رضي الله عنه، والذي ضربت فيه الردة وحوربت بلاد بأكملها لمنع الزكاة ونحو ذلك، بل ما ظنك بآخر زمان النبي نفسه عليه السلام في سياسته لدولة الاسلام، والذي ما لبثت تلك الردة أن انكشفت بمجرد أن مات عليه السلام وتولى من بعده خليفته رضي الله عنه؟؟ هل نحن الآن - بهذا الفهم - أسعد حالا مما كانوا عليه، لأننا نرى المرتدين الذين يجاهرون بردتهم أقل عددا وفي حالات فردية وليس"ظاهرة جماعية"كما يقول الكاتب؟؟؟ وهل هذا دليل على أن النفاق والخبث عندنا اليوم أقل مما كلن عليه في زمان الخلفاء الراشدين، والذين يلزم للمتأمل في هذا الكلام أن يرميهم بوأد الحريات التي يراها الكاتب ضرورية في زماننا هذا؟؟؟ وهل يصح لمسلم يتقي الله أن يقول أنه يسعد بحالات الردة (القليلة) التي لا يرى من يردعها في أمة المسلمين فيمن يسوسهم في زماننا، لأنها"تنفي عن ساحتنا الخبث والنفاق"؟؟؟
نعم أسلوبي فيه حدة وتشديد ولكنه ليس بلا مبرر!! فالخائض في مثل هذه المضايق يجب أن يكون أحسن تحريرا من هذا بكثير!!! غفر الله لنا وله
/// تعقيبي على قوله:""3_ على المستوى السياسي: ألقت هذه النظرة التقليصية للحرية الفكرية والعقدية بظلالها على الرؤية السياسية عند أصحاب المرجعية الإسلامية""
بقولي:
"عجبا من صيغة الكلام هنا!! يتكلم عن (أصحاب المرجعية الاسلامية) وكأنه خارج عنهم!!!"
وهذا تحامل عليه لأنه قطعا لا يريد بذلك أن يُحيد نفسه عن (أصحاب المرجعية الاسلامية) ، ولكن فساد ما تكلم به في هذه الجزئية، جزئية (المستوى السياسي) كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير عندي كما يقولون، وأكدت لي أن الأخ يتكلم بكلام لا زمام له ولا خطام، هداه الله وغفر له! فما الظن بمن يرى ضرورة أن يتسع النظر الأصولي في الاسلام وأن تتسع الأدبيات الاسلامية في زماننا لقبول واقرار قيام"أحزاب مناوئة للاسلام"في بلاد المسلمين، يكون لها تأثير في سياستهم وصنع القرار فيهم؟؟؟؟ هل هذا كلام يسوغ السكوت عليه دون القرع على رأس كاتبه؟؟؟؟