ومن الطريف أنه ذات يوم في الدوحة خرج مارتن إنديك وتوماس فريدمان والصحفي ماهر عبد الله -رحمه الله- من حلقة من حلقات نقاش المؤتمر السنوي الذي ينظمه إنديك وغيره عن العلاقات الإسلامية الأمريكية في الدوحة، قال ماهر: أخذ إنديك بيدي وبيد فريدمان وقال:"هذا - مشيرا إلى فريدمان- عولمي أصولي، وأنت: -يعني ماهر- إسلامي أصولي، وأنا صهيوني أصولي، شئنا أم أبينا نحن بحاجة إلى أن نتفاهم."وقد حدّث ـ رحمه الله ـ بهذه الحادثة عددا من أصدقائه، فهذه القائمة من صهاينة واشنطن لا تخفي أنها تعمل للحركة الصهيونية قبل كل شيء، وقد تخفي أحيانا آراءها وتدعي العمل لمصلحة أمريكا، بينما توجه السياسة في المنطقة والعالم لخدمة الصهاينة فقط، ضد مصلحة المجتمع الأمريكي وغيره.
ولهذا فإقدام بعض المشايخ وبعض المثقفين على إشعال نار الخلاف الطائفي لا ينطلق كله من حاجتهم، وقد لا تكون هذه الرؤية رؤيتهم، وربما دون إدراك واع منهم، بل هذه إستراتيجية للمحتلين معلنة ومطلوبة لتدمير الوحدات المضادة للاحتلال؛ مثل: العراق، وإيران ولبنان، ومناطق الخليج، حتى تضعف هذه الوحدات أو تستمر ضعيفة، وتجد في المحتل حلا لمشكلاتها، فتبقى دائما خائفة مروعة فتأوي للمحتل وتسلم له أمرها، وتجعل منه حاميها وأملها، ومصدر استقرارها، لأن في الجوار أخًا يرعبها، ولابد في سبيل المفاصلة مع هذا القريب أن نجعل من دينه وخلقه وجنسه وأرضه شرا محضا، و بالتالي فالمحتل خير حام، وأبر صديق موال.
ولا حاجة لتكرار"مقولة عامة"عنصرية أو فكرة سيئة مسبقة عن الشعوب الأخرى، لأنها ليست صحيحة، ولأن كل محتل سيجد فرقا وطوائف وأسبابًا لخلافات في كل مجتمع مغلوب. والمجتمع القوي النابه يتفوق على أمراضه وأقسامه وفرقه وعقائده، ويصنع عدلا وقسطا يخفف من قدرة العدو على تدميره من داخله.
ومنذ قتل محمد باقر الحكيم كتبت مخوفًا من هذا الطريق، طريق الحرب الأهلية المذهبية، الطريق الذي يدمر الجميع، ولا يخدم سنة ولا شيعة، فإن كان قتل الشيعة من إستراتيجية القاعدة فهو ضرر بالغ آنذاك والآن. ولا يهم من بدأ بالأمر، فالواجب إيقاف هذه الحرب الاستعمارية المذهبية والمجازر التي يخسر فيها العراقيون أجمعون.
فقد بدأت في مناطق إيرانية أعمال تستهدف إيران، وتستخدم الأقليات السنية والعرقية -وبتمويل قيل إنه عربي- لتفجير الخلافات بين الأقليات وبين الحكومة الإيرانية، بحجة الاختلاف في المذهب والجنس كالفتنة التي ظهرت في بلوشستان، بعض هذا أشار له مايكل هيرش في مقالته:"إعادة توجيه"ومستقبلا في عربستان وسوف يستخدمون الأذريين في إيران وفي أذربيجان، والأكراد. بحجة تحريرهم من الشيعة أو الفرس، وهناك دعم مطلق لليبراليين الإيرانيين لتحريرهم من الحكومة الدينية، بقيادة متغربين وبقية من الموالين لابن الشاه.
وإيران تعاني من أزمات داخلية قيادية فلم يعد يؤيد أحمدي نجاد إلا قلة من الكبار منهم خامنئي، وهناك أصوات وخلافات يقودها رفسنجاني ضد خصمه نجاد، بعضها توحي بغزل يتبناه رفسنجاني للغرب، وزاد من تأكيد هذا لقاءات رفسنجاني مع وسطاء مؤثرين، وهو يشكو من تشدد واندفاع وفردية وشعبوية نجاد، وبعض النقد من برلمان يرى في نجاد شخصا فاشلا في برنامجه الاقتصادي الموعود، وأنه أشغل شعبه، وهيج العالم بمغامرات كلامية ومواقف لا فائدة منها مثل: مؤتمر إعادة النظر في مذبحة اليهود، وفي ذهابه لأمريكا الجنوبية لتأييدها ضد الشمالية، وإهمال الوعود الاقتصادية التي قطعها على نفسه وانتخب بسببها.
وقد استطاعت العصابة الصهيونية من المحافظين الجدد أن يؤثروا على الثقافة السياسية وعلى توجهات الجماهير في بريطانيا وأمريكا، وبالتالي كثير من الغربيين ويروّعوهم من خطر العالم الإسلامي على مستقبل الغرب ومصالحه، فالإسلام عندهم هو العقيدة المتحدية الوحيدة التي بقيت في العالم ترى أن لها فلسفة في الحياة تخالف الغرب -هكذا يرى مؤلف نهاية التاريخ- ولهذا فإن الخلاف الأمريكي الأوربي والأمريكي الصيني أو الروسي مجرد خلاف اقتصادي يحل بسهولة، بينما صوروا الخلاف مع المسلمين بأنه خلاف وجود أو عدم، مع عالم إسلامي صاعد ماليا وسكانيا وعقديا، يهدد الغرب كما هدد الإمبراطورية الرومانية سابقا، وأخذ منها الشرق وشمال إفريقيا، وهذا التفسير مما يرغب الحاقدون
(يُتْبَعُ)