فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 28557

في فجر ِ الإسلام ِ، وأيّامهِ الأولى، انتكسَ حفنة ٌ من النّاس ِ ففرحَ بهم طواغيتُ الكفر ِ ودهاقنة ُ الشركِ، وقاموا بتبديل ِ كلام ِ اللهِ، وتغيير ِ معانيهِ، وتمَّ حشدُ الحُجج ِ والشبهِ والأباطيل ِ لتأكيدِ مزاعمهم، فلم يجدوا إلا الثبورَ والويلَ، فمات من ماتَ منهم ولفظتهُ الأرضُ، ومنهم من قُتلَ وهو متعلّقٌ بأستار ِ الكعبةِ، وبقيَ كلامُ اللهِ محفوظًا في الصدور ِ، متلوًّا على الألسنِ، عصيًّا على التحريفِ، أبيًّا على التبديل ِ، يحفظهُ من كلِّ خلفٍ وجيل ٍ عدولهُ.

إنَّ الإسلامَ بسيطٌ في مبادئهِ وتقريراتهِ وأصولهِ وأحكامهِ، وهو بسيطٌ أيضًا في طريقةِ انتشارهِ واستحواذهِ على العقولِ والأفئدةِ، ينتشرُ بالبسمةِ، والسماحةِ في البيع ِ والشراءِ، والمعاملةِ الحسنةِ، والكلمةِ الطيبةِ، والرحمةِ، فبينما يكيدُ لهُ أعداؤهُ الليلَ والنهارَ، ويُحكمونَ حيلهم بأنواع المكر ِ والخديعةِ الظاهرةِ والخفيّةِ، ويُجمعونَ أمرهم متآمرين بينهم، ويُعسكرونَ بجحافل ِ جيوشهم للإغارةِ على معاقلهِ، ويهجمونَ هجمتهم عليهِ لمحوهِ من الأرض ِ، فإذ بنورهِ يأخذُ الأبصارَ، وإذا ببردِ يقينهِ يستولي على القلوبِ، ويهزمُ اللهُ الجمعَ العظيمَ من عدوّهِ بأضعفِ جنودهِ من أهل ِ طاعتهِ بعد أن يُحيطهم بحفظهِ ويخصّهم بكرامتهِ.

وعدُ اللهُ متحقّقٌ وأمرهُ غالبٌ، والذي نحتاجُ إليهِ ومضة ٌ من نور ِ اليقين ِ نتبلّغُ بها إلى ذلك الحين ِ، ومسكة ٌ من زادِ الصبر ِ ندفعُ بها عنّا بؤسَ الجزع ِ واليأس ِ، فضلًا عن سيل ِ الخلق ِ الكريم ِ، والطبع ِ النبيل ِ، وحُسن ِ المعاشرةِ، وبذل ِ المعروفِ والنّدى، لنملكَ من النّاسَ أفئدتهم، ونسكنَ في نفوسِهم.

مهما حاولَ العدوُّ جاهدًا في أن يخترقَ سياجَ المحافظةِ في هذه البلادِ الطيبةِ المباركةِ، فإنَّ الفشلَ نصيبهُ بإذن اللهِ تعالى، يقولُ غراهام فوللر - في كتابهِ"مستقبل الإسلام السياسيِّ"المشارُ إليهِ سابقًا:"ونادرًا ما حدثَ في التأريخ ِ لأي ثقافة إسلاميةٍ أن تمَّ اقتلاعُها، بأي وسائلَ كانتْ، من طرفِ أي ثقافةٍ دينيّةٍ أخرى".

فسرادقُ الدين ِ والشريعةِ فيها ممتدٌّ قائمٌ بفضل ٍ من اللهِ ثمَّ بما أقامهُ فيها من ولي أمرها من نظام ِ الشريعةِ وحُكم ِ الإسلام ِ، وهذا العدوُّ وإن كسبَ جولة ً أو أثارَ زوبعة ً، إلا أنّهُ لن يقوى على تغيير ِ حقائق ِ الدين ِ التي بهرتِ العيونَ، وخلبتِ العقولَ، وعلِقت بالأفئدةِ والقلوبِ، وهذه آثارُ أسلافِهم من أهل ِ العلمنةِ والفسادِ في بعض ِ البلادِ الإسلاميّةِ، في تركيّا، ومصرَ، والجزائر ِ، وباكستانَ، والأردنِّ، وغيرِها من البلدانِ، صارتْ أثرًا بعدَ عين ٍ، وثابَ النّاسَ يبغونَ الأمانَ في دين ِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والمحافظة َ على شريعتهِ.

ولئن كان من نصيحةٍ لإخوتي وأحبابي في خضمِّ هذه المتغيّراتِ المتلاحقةِ، فهي التحلّي بالتؤدةِ والحكمةِ واللينِ، مع التمسّكِ بالحزم ِ والأخذِ بالعزيمةِ وسلوكِ طريقِ الثباتِ، والعافية ُ كلُّ العافيةِ في لزوم ِ طريق ِ الأنبياءِ والرّسل ِ، في الصبر ِ على أذيّةِ المخالفينَ، وحجّهم بالدليل ِ والبرهان ِ، ونشر ِ الدعوةِ في نفوس ِ العامةِ من النّاس ِ، وعدم ِ التأثر بإعراض ِ من أعرضَ عن دين ِ اللهِ، أو حاولَ طمسهُ وهدمَ معالمهِ، والالتجاءِ إلى اللهِ بالضراعةِ والدعاءِ والاستكانةِ، فهي أعظمُ أبوابِ التفريج ِ وفتح ِ ما استغلقَ من الأبوابِ.

ولا تغترّوا بكثرةِ ما يملكهُ أهلُ الفسادِ من وسائل ِ الإعلام ِ، فإن هم ملكوا الأثيرَ والهواءَ، فقد ملكنا القلوبَ والأفئدة َ، وإن هم سيطروا على الهوى وتلاعبوا بأوتارهِ، فقد أحكمنا قبضتنا على العقولِ وناجينا الضمائر ِ، وهذا لا يعني الدعة َ وتركَ العمل ِ، بل يجبُ علينا المضيُّ قدمًا في المحافظةِ على هذه القاعدةِ الجماهيريّةِ العريضةِ، وبسطِ رواقِ الدعوةِ فيها، وإحاطتها بسياج ٍ منيع ٍ من الرقابةِ الذاتيّةِ، حتّى تنهزمَ غزواتُ التحرّرِ والعدوانِ على القيم ِ والأخلاق ِ، إضافة ً إلى ذلك يجبُ علينا أن لا نبالغَ في تصوير ِ مظاهر ِ الفسادِ المنتشرةِ هنا وهناكَ، فإنَّ في مظاهر ِ الخير ِ والحقِّ والعدل ِ غنية ٌ عن ذلك، وتتبّعُ الشاذِّ الساقطِ مضيعة ٌ للعمر ِ والوقتِ، وربّما أوهنَ بعضها في نفوس ِ المؤمنينَ وفتَّ عضدهم، لما يعروهم من الحزن ِ حين سماع ِ أنبائها، بل يجبُ نشرُ المبشّراتِ، والتركيزُ عليها، وإبرازها في كل المناسباتِ والظروفِ.

دمتم بخير ٍ.

أخوكم: فتى

تموتُ النّفوسُ بأوصابها ولم تدر ِ عوّادها ما بها

وما أنصفتْ مهجة ٌ تشتكي أذاها إلى غير ِ أحبابها

ـ [سعد بن عبدالله الحميد] ــــــــ [17 - Dec-2006, صباحًا 09:21] ـ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حياك الله أخي فتى الأدغال، وجزاك ربي أفضل الجزاء على هذه المقالة الرائعة التي تبعث الأمل، وتزرع الثقة بوعد الله، ومن أصدق من الله قيلًا.

لقد حملت المقالة في طيَّاتها إشارات عديدة لقضايا غاية في الأهمية جديرة بالتأمل، ونصائح منبعثة من رؤية بعيدة لمستقبل مليء بالإثارات، نسأل الله تعالى أن يجزيك على ماكتبت خيرًا، وأن ينفع بك الأمة التي هي بأمس الحاجة لمثل هذه الأقلام التي تُشِعُّ نصحًا، على الطريق القويم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت