فهرس الكتاب

الصفحة 1380 من 28557

وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد كان يشرب الخمر وصلى مرة الصبح أربعًا وجلده عثمان بن عفان على ذلك.

وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف.

وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد وكان متهمًا بالإلحاد وداعيًا إلى الضلال.

فصل ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه

ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال) آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير(وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.

والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين.

واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفار.

ولهذا لم يسب حريمهم ولم يغنم أموالهم.

وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفر الأخرى ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضًا وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ.

والغالب أنهم جميعًا جهال بحقائق ما يختلفون فيه.

والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم لما خطبهم في حجة الوداع"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا"وقال صلى الله عليه وسلم"كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه"وقال صلى الله عليه وسلم"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمة الله ورسوله"وقال"إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار"قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال"أنه أراد قتل صاحبه"وقال"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض"وقال"إذا قال المسلم لأخيه لا كافر فقد باء بها أحدهما"وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.

وإذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة"يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"فقال النبي صلى الله عليه وسلم"إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"وهذا في الصحيحين.

وفيهما أيضًا: من حديث الأفك: أن أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: أنك منافق تجادل عن المنافقين واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم.

فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم أنك منافق ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة.

وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قتل رجلًا بعد ما قال لا إله إلا الله وعظم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما أخبره وقال"يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله"وكرر ذلك عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.

ومع هذا لم يوجب عليه قودًا ولا دية ولا كفارة لأنه كان متأولًا ظن جواز قتل ذلك القائل لظنه أنه قالها تعوذًا.

فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضًا من أهل الجمل وصفين ونحوهم وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض أخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت