فهرس الكتاب

الصفحة 1381 من 28557

ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضًا موالاة الدين لا يعادون كمعاداة الكفار فيقبل بعضهم شهادة بعض ويأخذ بعضهم العلم من بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه"أن لا يهلك أمته بسنة عامة أعطاه ذلك وسأله أن لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك"وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضًا وبعضهم يسبي بعضًا.

وثبت في الصحيحين لما نزل قوله) قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابًا من فوقكم (قال"أعوذ بوجهك") أو من تحت أرجلكم (قال"أعوذ بوجهك") أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض(قال"هاتان أهون".

هذا ما أن الله أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن البدعة والاختلاف وقال) إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء(وقال النبي صلى الله عليه وسلم"عليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة"وقال"الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد"وقال"الشيطان ذئب فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإلا فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها."

وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه.

وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح"يؤم القوم أقرأم لكتاب الله."

فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة.

فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة.

فإن كان في الهجرة سواء فأقدمهم سنًا"وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم."

وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلًا وضلالًا وكان قد رد بدعة ببدعة.

حتى أن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع.

وهذا أظهر القولين لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع ولم يأمر الله تعالى قط أحدًا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة.

ولهذا كان صح قولي العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته.

وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلًا بوجوبها لم يأمره بالقضاء فعمرو وعمار لما أجنبا وعمرو لم يصل وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء وأبو ذر لما كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء وكانوا قد غلطوا في معنى الآية فظنوا أن قوله تعالى) حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر(هو الحبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم"إنما هو سواد الليل وبياض النهار"ولم يأمرهم بالقضاء والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصلوا إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ.

وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره.

قيل يثبت وقيل لا يثبت وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ.

والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى) وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (وقوله) لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل (وفي الصحيحين"ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين".

فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا.

"منقول"

من الجزء الخامس من جامع الرسائل لشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني رحمة الله

ـ [علي أحمد عبد الباقي] ــــــــ [25 - Apr-2007, مساء 03:25] ـ

بارك الله فيكم، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية ورفع درجته في جنات النعيم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت