الذين فهموا النصرة على أنها تفجير وتدمير في كل مكان وأوان , ليشمل المعاهدين وأهل الذمة وغيرهم , من الآمنين في الأوطان.
قال - تعالى: ** لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8) .
نعم إن قلوبنا تلعن الكفر والكفار على اختلاف مللهم ونحلهم , ولكن لا يحملنا ذلك البغض والشنآن على تعدّي حكم الله فيهم.
قال - تعالى: ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المائدة: 8) .
ويلجأ آخرون في ثورة الغضب إلى وسائل بدعية ما أنزل الله بها من سلطان - والبدعة غلو في الشريعة , ومجازة للحدّ - , لا تحقق نصرًا , ولا تنصر مظلومًا , بل هي غوغائية المسلك , غربية المصدر , كالمظاهرات وغيرها.
وكان الأولى بهؤلاء الثائرين - وهم محمودون على حرقتهم على هذا الدين , وصدق نصرتهم وغيرتهم - أن يلجأوا إلى الوسائل المشروعة , التي تحقق الغاية والمقصود.
إذ أنّ الحماس إذا لم ينضبط بميزان الشرع , كان ضرره أعظم من نفعه , وربما كان وبالًا وشرًا , وأحداث التاريخ خير شاهد على ذلك.
أما القسم الثالث: فهم أهل الحق في كلّ عصر ومصر.
لم يحملهم الحماس على تعدّي شرع الله , ولم تشغلهم الدنيا عن نصرة إخوانهم.
وزنوا أفعالهم بميزان الشرع , فانضبطت وسائل نصرتهم , فلا شطط ولا وكس , والحقّ أبلج والباطل لجلج.
سبيلهم في ذلك ردّ ما عنّ لهم في عقولهم , وعرضه على الكتاب والسنة , إذ لا سبيل لمعرفة وسائل نصرة المؤمنين إلاّ بالرجوع إلى الكتاب والسنة , فهما الفيصل في كلّ نازلة , والمخرج عند كلّ ضائقة.
قال - تعالى: ** وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلًا (النساء: 83) .
والنصرة ليست مقصورة على الحكومات , أو الهيئات والمؤسسات , بل تتعدّاها بكثير , وليست مقصورة على الوسائل المادية فقط , بل هي وسائل وجدانية في المقام الأوّل.
فمنطلق هذه الوسائل من إصلاح الأنفس وتطهير القلوب , من أدران الشبهات وأوحال الشهوات , لأنه ما ألمّ بهذه الأمة بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.
قال - تعالى: ** أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران: 165) .
فطريق النصرة يبدأ بالتوبة والإنابة , كما قال - تعالى: ** إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ (الرعد: 11) .
ألسنا حال الجدب نستنزل القطر بالدعاء والتوبة وصدق الالتجاء , كذلك النصر.
قال - تعالى: ** إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُالأَشْهَادُ (غافر: 51) .
وتعمّ النصرة أيضًا كافة طبقات المجتمع من:
-الفرد المسلم.
-والدعاة والأئمة والعلماء.
-الإعلاميين والمفكرين.
-الأغنياء والموسورين.
-المؤسسات الخيرية والدعوية.
-الأسرة والمجتمع.
-قطاع التربية والتعليم.
-الحكومات المسلمة.
ولست بصدد تعداد وسائل النصرة الشرعية , لأنّ ذلك متعذّر في هذا المقام , لذا آثرت وضع القواعد الكليّة , والضوابط الشرعية , حتى تكون ميزانا توزن به كلّ وسائل النصرة , فما كان موافقًا لهذه الضوابط فهو المحمود شرعًا وعقلًا , وما سواه فهو المبتدع الباطل , وإن حسنت مقاصد فاعليه.
فلوسائل النصرة ضوابط تصونها عن الاضطراب , وشروط تحفظها عن الخلل والفساد.
(يُتْبَعُ)