فهرس الكتاب

الصفحة 14028 من 28557

والجمهور على أن للعموم صيغ مُعتبرة، وأنك تستطيع أن تعبر عن معنى عام بلفظ معين, وخالف المُرجئة وأكثر الأشاعرة، فلم يجعلوا للعموم صيغ إلا بالقرائن والحُجة قائمة عليهم لغةً وشرعًا. كقوله صلى الله عليه وآله وسلم وإقراره لعمرو بن العاص في موضوع التيمم: {ولا تقتلوا أنفسكم} .

2 -إستقراء مواقع المعنى حتى يحصل منها معنى كليّ عام يجرى مجرى الصيغ في العموم. والحق كما بيّن الشاطبيّ أنّ هذا الطريق لإثبات العموم أقوى من مجرد الصيغ إن وردت، رغم أنّ النظر العابر القاصر قد لا يرى ذلك، إذ إن استقراء المعنى في مواضع عدّة وجزئيات متكررة أقوى من وروده في صيغة واحدة وجزئية فردة. وهذا هو موضع القوة في الإجماع وفي التواتر، ولذلك يطلق عليه العلماء التواتر المعنوي. وهذا المعنى قد غاب عن هؤلاء الأدعياء ممن لا يرى الشريعة إلا جزئيات مفتتة لا يربطها رابط، فتراه يعرج على الأدلة واحدًا واحدًا يفندها بما يراه حقًا ولا يرى ما في تواترها على معنى واحد من قوة. وهو موضع الدليل في قضية الحكم بغير ما أنزل الله. فتواتر الآيات على أن الحكم لله وحده وأن الولاء لله وحده وأن الشعائر والنسك هي لله وحده يجعلها أصل الأصول ويرفعها للتواتر المعنوي وإن جهد جاهد أن يتحايل على مفرداتها بسبب نزول أو مماحكة لغوية.

وقد حلت هذه الكارثة بالعالم الإسلامي في مدخل القرن العشرين بسقوط الخلافة، مما أفقد المسلمين"الدولة المحورية" [1] التي يجتمع حولها جهد الأمة وإمكاناتها، والتي لم تواجهها الأمة في تاريخها إلا لفترة محدودة أيام غزو التتار للعالم الإسلامي.

ودون الدخول في تفصيل وقع هذا الحدث وآثاره على الأمة، فقد كان من نتيجته ووسائل مقاومته إحياء المبدأ الشرعي"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"بعد أن انعدمت السلطة المركزية التي تحميه وتقيمه، فنشأ ما عُرِف بالجماعات الإسلامية، وهو ما يعيد للذاكرة حركات مماثلة كحركة خالد الدريوش وصالح بن سلامة الأنصارى في بغداد عشية مقتل الأمين العباسي وعهد تولى المأمون العباسي للخلافة [2] . ومن هذه الجماعات"الإخوان المسلمون"في مصر و"الجماعة الإسلامية"في باكستان.

وسرعان ما اكتشفت هذه الحركات، أو ما خرج من تحت عباءتها [3] أن الخلل ليس فقط في عدم وجود الدولة المحورية أو فقدان وظيفة"الإمامة العظمى"كما يطلق عليها فقهاء الإسلام، وإنما في أن البلاد قد وقعت تدريجيا تحت حكم"لا ديني"علماني [4] ينحّى شريعة الله عن الحكم في أمور الناس بعد أن مهد لتقبل هذا الأمر ذلك الغزو الثقافي الإجتماعي الغربي في واقعهم.

وكان من نتيجة ذلك أن اختلطت على الناس أحكام الفقه وأحكام فقه الواقع اللذان يحكمان الفتوى بوجه عام وفقه هذا الأمر بوجه خاص.

ولابد هنا من الإشارة إلى نقطة تتعلق بالشكل السياسي قد أغفلها الكتاب والمحللوّن فيما تناولوه بشأن حكم"الخلفاء"في العصور المختلفة وطرق الحكم في العصر الحديث، مما يبينّ الفرق بين مناطيّ الحكمين بشكل لا يدع مجالا للخلط بينهما. وهذه النقطة تكمن في فهم طريقة"تطبيق الشريعة"خلال العصور السابقة لسقوط الخلافة، وهي التسليم العملي لفتاوى و"قرارات"الفقهاء والمجتهدين والعلماء. لم يكن هناك"قانون"مدون أو"دستور"ينصّ على أن الشريعة هي المرجع الأوحد للأحكام، وإنما هو فهم التوحيد وحدوده ومبادئه التي تملى على الخليفة وعلى الشعوب المسلمة أن يستسلما لحكم الشرع كما يصدر عن العلماء والفقهاء. ومن ثمّ فإن الخليفة"الحاكم"إن أراد أن يتخطى حكم الشرع فإنه يصدر قرارا"تنفيذيا"بعمل ما يريد دون أن يكون لذلك العمل سندٌ"تشريعيٌ"من السلطة التشريعية المتمثلة في العلماء والفقهاء. فالقانون المدوّن كان هو الفقه وموسوعاته وإن لم يطلق عليه لفظ القانون، فكان تجاوزه والخروج عليه خروج عن"القانون".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت