فهرس الكتاب

الصفحة 14029 من 28557

ولمزيد إيضاح هذه النقطة، فإن النظر في تطور ظهور القوانين المدونة خلال القرن التالي لغزو نابليون لمصر حيث أدى الغزو لتبنى سياسة"التحديث"بجلب المستشارين، وأكثرهم من المستشرقين، في كافة المجالات لتطوير الدولة بما في ذلك القانون. وقد كانت الدول التي تصدّر هؤلاء"الخبراء"من القوة بحيث فرضت أن لا يتبع مواطنوها تشريعات الدولة المصرية فكان أن نشأت المحاكم المختلطة، وكان أن صدرت مجلة"الأحكام العدلية"والتي بدأ فيها تدوين القانون وتقسيمه إلى مدني وجنائي وغير ذلك متابعة لشكل القوانين الأوروبية. ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وبعد سقوط الخلافة، كانت سلطة الدولة قد ضعفت إلى أقصى حدّ وبدأ الناس في اللجوء إلى المحاكم المختلطة وبحلول منتصف الخمسينيات من القرن العشرين صارت المحاكم المختلطة هي المتصرفة في أمور المسلمين وأُلغيت المحاكم الشرعية بالكلية [5] .

ومن الواضح الجليّ أن شرع الله كان هو المتحكم في حياة المسلمين حاكما ومحكوما برغم اقتراف بعض الحكام إنحرافات"تنفيذية"لا"تشريعية"قد صنّفها أهل السنة والجماعة لهذا السبب ذاته على أنها"معاصى"و"ذنوب"لا تخرج حاكما ولا محكوما من الملّة. إلا أن الأمر كما رأينا تطوره التاريخيّ قد تحول إلى تنحية كاملة"مقننة"للشريعة الإسلامية عن برامج حياة المسلمين وهو ما يمثل"مناطا"مختلفا أشدّ الإختلاف عما كان عليه الأمر سابقا. ولا شك أن العجز عن التفرقة بين المناطين يؤدى إلى خلط شديد في الأوراق وغبش في تقدير حقيقة الأوضاع السالفة القائمة جميعًا.

لا شك أن المسلمين ممن يخشون الله ورسوله، ودع عنك من رضي منهم بالحياة الدنيا واطمأن بها، قد استبانت لهم طريق الخلاص من هذا الخوان والإستغمار الذي يعيش فيه المسلمون في بلادهم، فإن العدو الحقيقي هو هذه النظم العربية الخارجة عن الشرعية الإسلامية خاصة منها التي تجاور الشعب الفلسطيني الباسل، بعد أن أفصحوا عن كل الولاء والمظاهرة والنصرة للصهاينة بل ألبوهم عليهم وعملوا على تجويعهم ومنع الماء والدواء والسلاح عنهم، فليس بعد هذا من نصرة ومظاهرة للمشركين. كما أن محمود عباس ميرزا وعصابته قد دلوا اليهود على مواقع حماس، وهو كشف لعورات المسلمين يدل على الكفر كما ورد في قصة الصحابيّ حاطب بن أبي بلتعة، الذي أراد عمر أن يقطع رأسه لأنه حذر المشركين من أن يخالفوا عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم لأنه ذلك سيطزن حسرة عليهم إذ إن رسول الله متوجه اليهم بجنود لا قبل لهم بها، فكان هذا التحذير محل التكفير ومدعاة للقتل، لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن ربه أن أهل بدر ومنهم حاطب، قد غفر الله لهم، ولا نعلم أن محمود عباس ميرزا من أهل بدر حتى يلحقه هذا الإستثناء من الكفر.

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى

[1] راجع دور الدولة المحورية في كتاب"صراع الحضارات"صمويل هانتجتون ص 207.

[2] راجع"تاريخ الدولة العباسية للشيخ الخضري ص191."

[3] راجع مقالنا"الإخوان المسلمون في نصف قرن"المنار الجديد عدد 11.

[4] تعبير العلمانية يتطابق مع"اللادينية"لا مع العلم كما هو معلوم

[5] إلا في المملكة السعودية التي لا تزال سلطة المحاكم الشرعية قائمة فيها إلى حدّ ما فيما أحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت