فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وغني عن الذكر أن ما سبق وأسلفناه من المخالفات، ومن المفاسد المترتبة على المظاهرات يكفي بعضها في المنع منها، فكيف بمجموعها؟ بل إن هذه المفاسد يأتي بها المنع من هذه المظاهرات، حتى لو سلمنا لهم أن عليها أدلة تفصيلية؛ لأن غايتها أن تكون إحدى وسائل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، التي تحتاج إلى النظر في المصالح والمفاسد، حتى ولو كان الأصل فيها المشروعية.
فإن قال قائل: ألا يتصور وجود مظاهرات عارية عن هذه المخالفات وعن تلك المفاسد؟
قيل: نعم يتصور، وحينئذ سيكون الحكم الجواز، إلا أننا في المسائل الواقعية نراعي الواقع الذي نعيشه، مع التنبيه على أن هذا من باب الفتوى لا من باب الحكم.
والواقع الذي نعيشه لا نكاد نرى منه مظاهرات عارية عن هذه المخالفات.
وإذا فرضنا جدلًا أن المظاهرات عرت عن المخالفات الاختيارية، فماذا عن المفاسد الاضطرارية التي غالبًا ما تؤول إليها كثير من المظاهرات؟
ومع ذلك فنقول إذا (افترض) الخلو من الموانع فالإجابة (المفترضة) آنذاك أنها جائزة.
ومما يعزز اختيار المنع وجود وسائل أخرى تتحقق معها المصالح المرجوة من وراء المظاهرات.
ويتضح ذلك من مراجعة تلك المصالح المرجوة، هذا بعد استبعاد مصلحة الضغط التي لا وجود لها في القاموس السياسي للعالم الثالث، والتي غالبًا ما تأتي محاولات الضغط فيها بهذه الصورة إلى نتيجة عكسية.
وأما مصلحة البيان والإعلام فيتحقق بوسائل أخرى لا خلاف على مشروعيتها، منها الكلمة المسموعة والمكتوبة، ففي ذلك فرصة كافية للتوضيح والبيان، بصورة يخاطب القلب والعقل، وتتكون فكرة مستقرة في وجدان المتلقي بخلاف الهتافات الحماسية التي ينطفئ لهبها بمجرد انتهاء المظاهرة، بل ربما شارك المشارك في المظاهرة وهو متلبس بمظهر من مظاهر المعصية كشرب الدخان وتبرج النساء، وربما مرت المظاهرات على جموع من الجالسين على المقاهي وهم مشدودين إلى كراسيهم وأعينهم مسمرة على تلفازهم مما قد ينقل صورة إعلامية سلبية.
نقول هذا مع التسليم بوجود فرق في المساحة الإعلامية بين الخطب والدروس والمحاضرات من جهة وبين المظاهرات من جهة أخرى إلا أن هذا الفرق لا يرقى إلى احتمال المفاسد المترتبة على المظاهرات.
ثم إن الفارق آخذ في التقلص بعد الفضائيات والإنترنت، بحيث أن جمهور الشوارع الذي يراد للمظاهرات أن تصل إليه يصل إليه الإنترنت والفضائيات، مع التركيز والوضوح والبناء كما أسلفنا.
ومن أغرب ما تستمعه من اعتراض على هذا الطرح قول بعض المؤيدين للمظاهرات: أما عندكم غير الكلام؟
وهذا الشعور الذي يتشبع به بعض منظمي المظاهرات من أنهم كأنهم زاحموا المجاهدين كتفًا بكتف لمجرد هتافهم"افتحوا باب الجهاد" (1) يتسرب إلى المشاركين بصورة أو بأخرى، فيحصل لديهم قدر من الشعور بالرضا عن النفس، فلا يحاولون أن يفعلوا شيئًا مما يطالبهم به أصحاب الطرح الآخر من التوبة والرجوع إلى الله، والحرص على معاني الولاء والبراء وإشاعة ذلك في الأمة. وهذه المفسدة تعتبر في حد ذاتها أحد أبرز مفاسد المظاهرات.
إن المظاهرات لا تعدوا أن تكون كلامًا مجتزءًا لا يفيد معنى تامًا، وهو من هذه الحيثية أقل نفعًا من المحاضرات بكثير، فهو كلام قليل النفع، ويبقى نقطة تميزه الرئيسة ليس في كونه ليس بكلام، ولكن في دائرة انتشاره، وقد ذكرنا أن هذه الفائدة لا تقارن بالمفاسد المترتبة عليه، كما أن الفرق بينها وبين الخطبة والدرس في هذا الباب في سبيله إلى التقلص.
ويبقى في هذا الباب نصيحة أخيرة:
وهي أن مسألة المظاهرات ونحوها من المسائل التي نشب الخلاف فيها منذ فترة طويلة، وذهب كل فريق فيها إلى ما يراه، وعلى كل عاقل أن يعرف الحجة الشرعية فيما يعتقد ويعمل، ولا يكتفي بتقليد من يظن بهم الخير، ولكن لا داعي لتحويل كل أزمة عامة من الأزمات التي يلزم فيها توجيه النصح لعموم الأمة، وتثبيت قلوبهم أمام ما يجدون من فتن إلى ساحات جدل"عقيم"بين أبناء الصحوة الإسلامية.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
(1) وممن لفت الانتباه إلى خطورة الحرث في البحر عن طريق المظاهرات التي تطالب بما يوقن منظموها أنه لن يحدث د. عبد العزيز كامل في مقال له على موقع"لواء الشريعة"بعنوان:"يا أصحاب الحجة والبيان ... لا تخطئوا العنوان!".
ـ [حمدي أبوزيد] ــــــــ [21 - Jan-2009, مساء 06:28] ـ
للأسف وأنا أتصفح المجلس وجدتُ أن الموضوع مكرر فقد سبقني أحد الإخوة إلى وضعه، فيرجى حذفه.
وما أردتُ إلا الإفادة والاستفادة!
وأعتذر عن الإزعاج.