فهرس الكتاب

الصفحة 1445 من 28557

من المؤلمِ لنا أن يتحدثَ فاضلٌ مثل صاحبنا عن فرحنا بتحول السلاحِ إلى نحورِ أهلِ السُّنةِ، ونحن الذين لم نتحدث ولم نكتب إلا شفقةً من مثلِ هذا اليوم، وخوفًا على تلك الدماء البريئة التي كان صاحبنا يعُد خوفنا و إشفاقنا عليها تحليلًا عقديًا ساذجًا، وحلبًا في قدحِ العدو، و خدمةً لأهدافه.

وصاحبنا في مقالته الأخيرة عاد لتلك الأسطوانةِ الأولى، فلم ينسَ الحديثَ عن أوهامِ الذين يصنِّفونَ الصراع في لبنان على أنه صراعٌ بين سنة وشيعة. و أكد أن (مواقف أتباع الصهاينة أكثر انسجامًا مع باطلهم وأنفسهم، من مواقف كثيرٍ من المتديِّنة العقائديين الغارقين في تناقض لا يثمر علمًا ولا عقلًا ولا مصلحةً) .

والحجة القاطعة التي يقدمها صاحبنا في نفي البعد الطائفي عن الصراع اللبناني: أن هناك حكوماتٍ سنية تقف ضد منظمة حماس وجماعة الجهاد السنيَّتين، في حين هناك شيعة يؤيدونَ الحركتين. وأن الحكومة المصرية السُّنية ترسل النفط لإسرائيل، وتحارب حماس السنية في غزة. و أن حسني مبارك السنيَّ يبدأ انتخابات كل سنة بسجن الإخوان المسلمين السنة، وأن حزبَ الحريريِّ والسنيورة يتضمن اشتراكيين ودروزًا ومسيحيين. كما أن هناك مشايخ سنة مع حزب الله مثل فتحي يكن وقسم من الإخوان المسلمين، وقسمٍ من الدروز و المسيحيين.

وبناءً على وجودِ هذه التحالفات نفى صاحبي البعد الطائفي عن الصراع القائم في لبنان. ثم سمَّى كلامه هذا تحليلًا سياسيًًا!!

ففي رأي صاحبي وتحليله السياسي: لا يمكن ـ أبدًا ـ أن يكونَ هناك بعدٌ طائفي لما يجري بلبنان، حتى يتوقف حسني مبارك عن سجن الإخوان المسلمين، وحتى يكفَّ عن محاصرة حماس في غزة، و حتى يخرجَ الدروز والنصارى من تكتلِ سعد الحريري، وحتى ينسحب فتحي يكن ومن معه من صف حزب نصرالله. فإذا تمحَّضت الصفوفُ، ولم يبقَ إلا جيشٌ سنيٌّ خالصٍ يقابله جيشٌ شيعيٌّ خالصٌ، فعند ذلك من الممكن أن يستخدمَ صاحبي أدواته في التحليل السياسي كي يكتشفَ البعدَ الطائفي للصراع!

وأخشى لو وقع هذا كلُّه أن يكتب الصاحبُ عن أوهام العقديين، الذين يتصورون أبعادًا طائفية للصراع في لبنان مع أن الملك محمد السادس (السُّني) في المغرب يضيق على جماعة العدل و الإحسان السُّنية، وزين العابدين بن علي (السُّني) في تونس يطارد فلولَ حزب النهضة، و الحكومة السعودية (السُّنية) تقيم علاقاتٍ رسميةً مع إيران الشيعية، و تخوضُ صراعًا داميًا مع تنظيم القاعدة السُّني!

هذا هو المنطق الذي يتحدَّثُ به الصاحب!

وهو نفسه المنطقُ المحكومُ على من لا يقبله بالجهل و السذاجة!

تلك التحالفات في لبنان التي يتكئ عليها الصاحب في تحليلاته يوجد مثلها بالعراق، ولا أظنُّ أحدًا ينفي البعد الطائفي للصراع الدائر هناك. فحكومة المالكي ـ بحرسها الوطني ـ حكومة طائفية بامتيازٍ، و مع ذلك يوجد في صفوفها سنة من الإخوان المسلمين ومن الأكراد، ومن النصارى أيضًا. والجيش الأمريكي بأكمله يدعمها، وكذلك جملةٌ من الحكومات السنية، ومعهم الحكومة الإيرانية الشيعية. ويوجدُ بين تلك الحكومة وبين التيار الصدري الشيعي عداءٌ ودماءٌ. فهل يعني هذا أنها حكومةٌ بريئةٌ من الطائفية، أو أنه لا يوجد بالعراق صراعٌ سني شيعي؟!!

أوضح من ذلك أن الحرب التي اشتعلت في لبنان في السبعينات الميلادية كانت حربًا طائفية باتفاق الجميع، وكان يوجد فيها مثل هذه التحالفات التي يجعلها الصاحبُ دليلًا قاطعًا على أوهام من يتحدَّث عن بعدٍ طائفي للصِّراع الحالي في لبنان.

نعم ليس كل ما يجري بلبنان يدور حول ثنائية (سنة، وشيعة) كما يصر صاحبنا أن يضع مثل هذا الكلام في أفواه من يسميهم (عقديين) . كما أن ما يجري في العراق لا يمكن أن يكون كله صراعًا حول ثنائية (سنة، شيعة) . فليس هذا مقصود من يتحدث عن البعد الطائفي للأحداث. فهناك صراعاتٌ أسبابها وأهدافها مختلفة، لكنها تدفع باتجاه توسيع رقعة التشيع، لتحقيق مكاسب قد لا يكونُ لها بالضرورة علاقة بالعقائد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت