فهرس الكتاب

الصفحة 14567 من 28557

واختار ديارهم ومساكنتهم وولايتهم، وأحب ظهورهم؟! فإن هذا ردة صريحة بالاتفاق، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ) [الدرر السنية 8/ 326] .

* عدم الدقة في فهم كلام أهل العلم بل وتقويلهم ما لم يقولوه، والخلط بين المسائل، وإيراد النصوص والنقول الخارجة عن محل النزاع، فتجدهم مثلًا ينقلون كلام أحد العلماء في مسألة جزئية فيفهمون منها حكمًا عامًا ثم ينسبون هذا الفهم إلى ذلك العالم وهكذا، كصنيعهم بكلام أهل العلم مثلًا في مسألة الجاسوس، وكيف يصورون القائل بعدم تكفير الجاسوس في صورة من لا يكفر بصورة من صور المظاهرة خلا ما كان عن اعتقاد الكفر، ومعلوم أن بين المسألتين فرقًا وأنه لا يلزم من رأى عدم التكفير بالمسألة الأولى أن لا يرى في المسألة الثانية كفرًا، خذ مثلًا نقلهم لعبارة الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن في تعليقه على حديث حاطب رضي الله عنه حيث يقول: (مع أن في الآية الكريمة -(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء .. ) - ما يشعر: أن فعل حاطب نوع موالاة وأنه أبلغ إليهم بالمودة وأن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل لكن قوله: (صدقكم خلوا سبيله) ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي ولو كفر لما قال: خلوا سبيله. ولا يقال قوله صلى الله عليه وسلم: (ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) هو المانع من تكفيره لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه فإن الكفر يهدم ما قبله لقوله تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) وقوله (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع فلا يظن هذا) [الدرر السنية 1/ 473] ، فهل يصح أن يقال تعلقًا بهذه العبارة: الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن لا يرى كفر المظاهر من أجل الدنيا؟ أم الواجب ضم هذه العبارة إلى عباراته الصريحة في التكفير، والتفصيل والتفريق بين الصور التي كفر بها والتي لم يكفر، وسيأتي في ثنايا البحث أمثلة أخر على هذه المسألة.

ومثل هذا الخلل في فهم كلام أهل العلم ثم تقويلهم ما لم يقولوه، تتبع بعضهم مثلًا لكلام أهل العلم في التكفير بمحبة الكفر أو التولي على الدين، وتصوير العالم في صورة القائل بأن هذه هي مناط التكفير في مسائل الموالاة والمعاداة، ومن المعلوم أن ثمة فرقًا معتبرًا بين جعل هذه الصورة مناطًا للتكفير وبين جعلها صورة من صور الموالاة المكفرة.

ومن الأخطاء كذلك في هذا السياق عدم التفريق بين حكم الاستعانة بالمشركين في قتال المسلمين وبين حكم مظاهرة المشركين على المؤمنين، وكذا عدم التفريق بين إعانة مسلم لكافر في قتل مسلم من آحاد المسلمين وبين مظاهرة دولة الكفر على دولة الإسلام وعلى المسلمين.

* تصوير القول المخالف على غير وجهه، وإلباس القائلين به لبوسًا ليس لهم، وذلك بخلط الكلام في بحث مسألة الموالاة بالمظاهرة، وتصوير القائل بتكفير المظاهر بصورة من يكفر بمطلق الموالاة، ولا شك أن بحث ما يتعلق بالمسألة العامة (الموالاة) شيء، والكلام في مسألة (المظاهرة) الخاصة شيء آخر، ووالله إني لا أعلم أحدًا منتسبًا للسنة يكفر بمطلق الموالاة -إلا أن يكون له اصطلاح خاص في معنى الموالاة أخص من مدلولها اللغوي فيحاسب بناءً على اصطلاحه -، بل الكل متفقون على أن موالاة الكفار على قسمين: قسم مكفر، وقسم غير مكفر، ولذا ترى بعضًا من أهل العلم قد اصطلحوا على جعل التولي كفرًا والموالاة غير مكفرة، فليست المنازعة إذن في حكم مطلق الموالاة وإنما محل المنازعة في أي لوني الموالاة يجب إلحاق المظاهرة، فالقوم يرون فيها موالاةً غير مكفرة ومخالفوهم يرونها من التولي أو الموالاة المكفرة، وبهذا يتبين أن من يُلحق المظاهرة بالموالاة المكفرة لا يرتب الأمر على النحو الذي يصوره بعض الكتاب من أنهم يكفرون المظاهر لأنهم يكفرون كلّ موالٍ للكفار، بل هم يُفصِّلون كما يُفصِّل أولئك وإن خالفوهم في محل إلحاق هذه المسألة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت