فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والذي أظنه في أولئك الأفاضل أنه قد قام بقلوبهم معنى في هذه المسألة وترسخ حتى أضحوا أسرى له لا ينفكون عنه ولا يحيدون، فصاروا لا يقرؤون كلام أهل العلم إلا في ضوئه، ولا يفهمون عباراتهم إلا وفق ما وقع في قلوبهم، فآلت نتائج بحوثهم إلى ما آلت إليه، وصارت المظاهرة في كل أحوالها لونًا من ألوان الموالاة غير المكفرة، مادام قلب صاحبها (مطمئنًا) بالإيمان!! بل صاروا يوردون استدلالات غريبة شاذة لينصروا قولهم هذا، كقول أحدهم: (بل إعانة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين هي في ذاتها من قبيل العداوة المباشرة من المؤمن للمؤمن) وأصرح منه قوله: (لا فرق بين أن يكون قتل المسلم للمسلم من غير إعانة للكفار على المسلمين، أو مع إعانتهم على قتال المسلمين، وليس مع من فرق بين الحالين من جهة اقتضاء الحكم بالكفر بينة) ، فعجبًا والله كيف أضحى قتال المسلم مع الكفار ضد أهل الإسلام، كقتال أهل الإسلام بعضهم لبعض، وكيف صار القتال الذي يحقق الرفعة للكفار وكفرهم، كقتالٍ لا يحققه ولا يحصله، وكيف صار ذاك القتال المتضمن موالاة جلية ظاهرة للكفار ومعاداة واضحة لأهل الإيمان، كقتال لا يتضمنه ولا يحويه، والفرق بين لوني المقاتلة أكبر من أن يُنبه عليه أو يحتاج إلى تدليل.
وأعجب منه استحسان بعض الفضلاء لتقسيم موالاة الكفار ومظاهرتهم إلى ثلاثة أقسام:
(1 - مظاهرتهم وموالاتهم في الظاهر مع حبهم و مودتهم في الباطن، وهو النوع المخرج من الملة المكفر.
2 -مظاهرتهم في الظاهر لمصلحة الشخص وخوفه على نفسه، أو ملكه وسلطته، وهذا النوع كبيرة من كبائر الذنوب ليس مخرجًا من الملة.
3 -موالاتهم ومظاهرتهم لمصلحة المسلمين، ودرء الشر والفتنة عنهم وهذا النوع جائز، والدليل على هذه التقسيمات حديث الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه-)، ثم قال: (هذا التقسيم جيد، ويتوافق مع النصوص والقواعد الشرعية، وعليه عمل جمهور علماء السلف في تنزيل الأحكام على الأشخاص والأصناف في الجملة) فهل هو تقسيم جيد حقيقةً؟! وهل هو قولٌ لعالم من علماء السلف، دع عنك أن يكون قول جمهورهم؟! وهل حديث حاطب يدل عليه فعلًا؟! وليت شعري كيف تكون مظاهرة المشركين على المسلمين مصلحة للمسلمين؟!! وكيف يقاتل عبدٌ مسلم أهل الإسلام مناصرًا أهل الكفر ليحقق للمسلمين مصلحة ويدرأ الشر والفتنة عنهم؟!! وإن كان كذلك -وهو ما لا يكون- فلم اقتصر هذا الفاضل على الحكم بالجواز، ألا نبه إلى أنه مشروع مستحب وقد يجب!! ثم هل يلتزم هذا الفاضل حقيقةً تكفير من اقترنت موالاته الظاهرة بحب (الكفار) في الباطن؟! أم أن الأمر اختلط عليه وما عاد يفرق بين محبة (الكفر) التي يريد جعلها مناطًا للتكفير ومحبة (الكفار) التي ليست محلًا عنده للتكفير!!
ولعل مما رسخ هذه القناعة عندهم، ودفعهم لتبني هذا الرأي الغريب، والحرص على إذاعته ونشره، والاستدلال له على هذا النحو العجيب، ما رأوه في الواقع من تعجل البعض في إصدار أحكام التكفير في ضوء هذه المسألة، وترتيب أعمال عنفٍ بناءً عليها، وهذا التعجل والتوسع في التكفير وإن كان خطأً بلا شك، ولكن من الخطأ أن يعالج الخطأ بالخطأ، وذلك بتغيير أحكام الشريعة مراعاة للواقع وسدًا لأبواب فساد، بل الواجب تصويب هذه الانحرافات في ضوء أحكام الشريعة ببيان ما يتعلق بتكفير المعين من أحكام وضوابط، وبيان شروط المتكلم في هذا الباب، أما إلغاء حكم الكفر عن فعل حكم الشرع بكونه كفرًا لانحراف وخطأ في التنزيل فزيغ وضلال، وأخشى أن يأتي يوم يُضطر فيه أولئك الفضلاء ممن لا يكفرون بكل صور المظاهرة إلى أن يُكفِّروا بها إن ابتليت أوطانهم يومًا بهذه المسألة، فيجدوا أناسًا ينتسبون في الظاهر إلى الإسلام يقاتلونهم وأهليهم مع الكفار ليقلبوا دار الإسلام التي يعيشون بها دار كفر معتقدين أنهم لم يقوموا إلا بذنب ومعصية لا تستوجب كفرًا -نسأل الله أن يعافينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن-.
وأحسب أن من قال بعدم تكفير من ظاهر المشركين على المؤمنين مطلقًا -إلا ما كان ناشئًا عن محبة للكفر ورضًا به- لا يعدو أحد رجلين:
(يُتْبَعُ)