وزاد في ذلك المصاعب التي أخذ الإنكليز يعانون منها من جراء الاحتلال الأفغاني لفارس عام 1722 _ 1729 وما يتبعه من فوضى، لذلك لم يعد بمقدور الإنكليز السكوت على منافسة القواسم لهم (على الرغم من أن القواسم هم أصحاب البيت) .
وقد أدى كل ذلك إلى قيام شركة الهند الشرقية البريطانية بحمله ضد ميناء القواسم في (باسيدوا) عام 1727م وهددوا بتدميره، ما دفع بشيخ القواسم - حاكم الميناء - للرضوخ للأمر الواقع وتعهد بدفع التعويض للإنكليز عن خسارتهم المتأتية من النقص في عائدات ميناء بندر عباس.
وكان هذا أول صدام بين الإنكليز والقواسم وربما كان له آثاره البعيدة في علاقات الطرفين المستقبلية.
عام 1775م كان القواسم قد أصبحوا قوة بحرية وبرية لا يستهان بها واستطاعوا أن يديروا شؤون الخليج التجارية دون منازع لفترة طويلة من الزمن.
القواسم ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
في المرحلة الثانية من تاريخ القواسم الذي يعتبر عصرهم الذهبي دخل عنصر جديد على مسرح الأحداث وهو ظهور دعوة (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) ووصولها إلى الخليج العربي 1798_1805 فقد انطلق مؤيدوه من قاعدتهم في البريمي نحو الخليج وعمان للداخل وعبروا الجبال العمانية ووصلوا إلى مسقط، وانضمت قبائل كثيرة لدعوتهم ومنها القواسم وبنو علي ولم ينقذ الإمام العماني سلطان بن الإمام أحمد منهم سوى موت الإمام عبد العزيز في الدرعية عام 1803 واضطرارهم للعودة إلى البريمي.
وقد عقد القواسم اتفاقا مع آل سعود عام 1803 للعمل على نشر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى ما وراء البحار.
وقد قلبت هذه الاتفاقية حياة القواسم رأسا على عقب فقد أحسوا بالقوة والدافع الديني. وبالرغم من أن السعوديين لم يكونوا قوة بحرية لمعاونة القواسم في البحر إلا أن قوتهم البرية كانت ساحقة وتستطيع حماية القواعد القاسمية في البر، و بذلك أمن القواسم الهجوم من الخلف خاصة من أئمة عمان، وقد أصبح لعملهم ونشاطهم الهدف والعقيدة.
عاصر الشيخ صقر بن راشد بدء دعوة الشيخ وتبنى فكرتها منذ ظهورها وأخذ الأسطول القاسمي يجوب البحر يدعو القبائل للانضمام إليهم في حربهم على طول سواحل الخليج حتى سيطروا على الأقسام الجنوبية منه وعلى الساحلين الغربي والشرقي وأقاموا القواعد الثابتة على طول هذه السواحل وامتد نفوذهم البحري إلى منطقة بحرية هامة يزيد طولها على ثلاثمائة كلم من جنوب شبه جزيرة قطر إلى مدينة خورفكان الحالية والقريبة من مسقط، في حين كان السعوديون يهيمون على الشواطئ الشمالية الشرقية للجزيرة العربية بعد سقوط دولة بني خالد.
وبلغت قوة القواسم ذروتها في السنين العشر الأولى من القرن الثامن عشر وكان أسطولهم يضم حوالي ستين إلى سبعين مركبا كبيرا يضاف إليها أكثر من ثمانمائة زورق (داو) صغير يحمل أكثر من عشرين ألف مقاتل.
يقول جان جاك بيربي في كتابه عن الخليج العربي"كان القواسم بهذا الأسطول يتحدون أكبر البوارج البريطانية المقاتلة وأفضلها تسليحا، كما اصطدموا بقوات سلطان مسقط وأنزلوا بها الخسائر الفادحة، ولم تقتصر الخسائر على المعارك البرية والبحرية بل فقدت السلطنة أجزاء كثيرة من أراضيها".
تكرر ت المواجهات بين البريطانيين والقواسم وعقدت اتفاقيات، لكنها ظلت حبرا على ورق، وعاود القواسم الهجوم على السفن البريطانية وغيرها من السفن الفرنسية والأمريكية التي كانت ترتاد الخليج، ووصل نشاطهم إلى البحر الأحمر والشواطئ الهندية وغيرها وأعادوا بناء أسطولهم بقوة وعزم أكبر أخاف جميع السفن التي كانت تتجول في المنطقة، كما عاودوا مطالبة الانكليز بدفع الأتاوات إذا أرادوا الدخول للخليج الى جانب الاعتراف بسلطتهم.
حاول الانكليز في بادئ الأمر التروي في أعمالهم وطالبوا القواسم بدفع التعويضات عن السفن التي سلبوها فلم يجبهم القواسم الى طلبهم، فأرسلوا أسطولا في تشرين الأول عام 1816 م قصف رأس الخيمة بالمدفعية دون نتيجة ثم هاجموا الشارقة والرمس وقصفوهما بالقنابل دون جدوى وأخذت البوارج البريطانية الضخمة تتحاشاهم وازداد عدد الأسطول القاسمي زيادة كبيرة فأسطول رأس الخيمة لوحده أصبح ستين سفينة كبيرة وأربعين سفينة صغيرة وكان بحارته ماهرون جدا في الفنون الملاحية.
(يُتْبَعُ)