اعلم أن المراد بالذين كفروا هاهنا هم اليهود، فالسياق يدل على ذلك، وجُلُّ المفسرين قالوا به، والمسلمون هم الذين أثبت الله لهم الفوقية على اليهود الكافرين به إلى بوم القيامة، وهذا هو الذي أثبته الواقع منذ أربعة عشر قرنا، فالمسلمون فوق اليهود أخلاقًا ودينًا وعزة وسلطانًا.
الضمان التاسع: قوله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (( الأعراف:152) .
والمراد بالذلة هنا: الذلة العظيمة، فالتنوين تنوين تعظيم وتفخيم، وكذلك هذه الذلة جعلها الله جزاء للمفترين ولا أكبر افتراء على الله وعلى الناس من اليهود، إذًا فالذلة العظيمة ملازمة لهم في جميع الحياة الدنيا، ومن لازمته الذلة فلا ملك له ولا سلطان.
الضمان العاشر: قوله تعالى:) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى (( الحشر: من الآية14) ، هذه الآية ذكرها الله بعد قوله:) وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (( الحشر: من الآية12) .
فالله يخبر بأن اليهود لن ينصروا إذا قاتلوا، وأن من ناصر اليهود في قتالهم فسوف تكون الهزيمة مآله، وأخبر في هذه الآية أن اليهود لا يقاتلون وجهًا لوجهٍ!، ولكن في قرىً محصّنة أو من وراء جدرٍ أو دبابة أو سيارة!، لأن قلوبهم لا ثبات لها، ولأن أرجلهم لا تحملهم في الحرب لحبهم الحياة الدنيا والبقاء، وأخبر تعالى أن خصومتهم فيما بينهم شديدة للغاية، ومَن هذه أوصافه فلن تكون له دولة ولا سلطان.
انتهى كلام الشيخ ابن يابس -رحمه الله تعالى- بتصرف يسير، وكما ذكر من الضمانات الربانية على سفال اليهود، فكذلك عند المسلمين ضمانات ربانية على علوهم ورفعتهم، ومن ذلك:
نصر الله للمسلمين عليهم كما قال تعالى:) وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (( الحج: من الآية40) ، وقال تعالى:) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (( غافر:51) ، ولكن هذا النصر معلّق بأن ينصر المسلمون ربهم!، والجزاء من جنس العمل، وأعظم ما ينصر الله به هو رفع راية التوحيد، والدعوة إليه، ونبذ الشرك، والبراءة منه ومن أهله كما قال تعالى:) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (( النور:55) ، وهذه الآية نص في بيان الشرط الذي تقوم به دولة الإسلام، والمشروط لا يتحقق إلاّ به!، فلا تسمى الدولة دولةً إلاّ باستخلاف خليفة عليهم، ولا قيمة للخليفة إلاّ بالتمكين والسيطرة، ولا تنفع السيطرة إلا بأمنٍ يسود سائر الأفراد، وهذه الثلاث المتلازمة مشروط بقوله تعالى:) يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (، ومثل ذلك قوله تعالى:) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (( الأنعام:82) ، فالأمان مرتبط بدولة الإسلام، والأمان لا يتحقق إلاّ بالإيمان، وبقدر ما مع المرء من أيمان يكون نصيبه من الإيمان، ولهذا أكثر الشعوب أمانًا أكثرها إيمانًا وإقامة لدين الله تعالى، ومن قاس الإيمان بكثرة العدة، وكثرة العسس والشرط فقد ضل الطريق وأساء الفهم، وإلاّ فما أكثر ذلك في بلاد الكفر وهم أكثر الشعوب خوفًا وذعرًا، وخفرًا للمحرمات، وانتهاكًا للحرمات!.
ومن الضمانات على علو المسلمين: جهاد الكفار باليد واللسان، والله تعالى يقول:) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (( التوبة:14) .
(يُتْبَعُ)