عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب: 18، 19] ، وقال: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [النساء: 72، 73] ، فظهر فريق الجهاد والمجاهدين ومن والاهم، وفريق المشككين، وهؤلاء بدورهم منهم منافقون عريقون في النفاق، ومنهم جهلة، ومنهم أهل أهواء، فكانت هذه المعركة اسمًا على مسمىً كما أراد لها أهل الإيمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
الوقفة الثالثة: للمرء أن يقارن بين هذا الصبر والثبات الذي أبداه أهل غزة المرابطون، طيلة ثلاثة أسابيع من القصف المركز من الجو والبحر والبر على هذه البقعة الصغيرة من الأرض، وبين انهيار ثلاثة جيوش عربية في حرب حزيران عام 67 خلال ساعات، واحتلال اليهود لأضعاف مساحة غزة؛ سيناء كلها، وقطاع غزة، والضفة الغربية، والجولان!
إن هذا الصبر والثبات لم يأت من فراغ، فأهل غزة هم أهل القرآن عُمَّار المساجد، ولئن كان قادة سلاح الطيران في الجيش المصري عشية حرب 67 يسهرون على صوت أم كلثوم، فقد كان المجاهدون في غزة يسهرون على كتاب الله يرتلون آياته ترتيلًا، ويتمثلون قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] ، ويُصَبِّرون الناس ويحثونهم على الصمود ويذكرونهم بمعاني الإيمان، وكان المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها يدعون الله ويقنتون نصرة لهم، فصمدت غزة بإذن الله، بينما تحطمت المقاتلات عام 67 على أرض المطارات قبل أن تنطلق!
الوقفة الرابعة: لقد أكدت هذه المعركة على أن الحرب بيننا وبين يهود حرب عقيدة، فليست حربًا لتحرير الأرض فقط، ولا لعودة اللاجئين فقط، ولا لنيل الحقوق المغتصبة فقط، فهذه كلها تندرج تحت عنوان أوسع وأشمل، هو أن الحرب حرب عقيدة بالمقام الأول؛ فأي إخراج للمعركة عن حقيقتها العقدية خسارة كبيرة، وحيث إن الأمر كذلك، فلا بد من تحرير المصطلحات: لقد كنا لسنين طويلة منذ كنا صغارًا نسمع في الإذاعات وعلى ألسنة السياسيين العرب تعبير: العدو الصهيوني، أو العدو اليهودي، أو الكيان الصهيوني، فذهبت العدو، وذهب الكيان، ثم ذهب الصهيوني واليهودي، وصرنا نسمع قولهم: إسرائيل، أو دولة إسرائيل! وليس الأمر صدفة، بل هو أمر مقصود ودبر بليل، كي تتقبل الأجيال الجديدة هذا الكيان، وتألف وجوده بيننا وكأنه هو الأصل، وقد عدلت مناهج من أجل هذا الغرض الخبيث. كذلك، فإن لفظ المقاومة وإن كان لا محذور فيه، إلا أن الأولى أن يقال جهاد، فهو التعبير الشرعي وله وقعه المزلزل في قلوب العدو؛ وأيضًا من قال: حربنا مع الصهاينة لا اليهود مخطئ، فحربنا معهما جميعًا، وهكذا، فلا بد من التنبه للمصطلحات.
الوقفة الخامسة: إن كانت العمليات العسكرية في غزة قد انتهت، فإن المعركة لم تنته، وقبل أيام قال خالد مشعل وفقه الله وإخوانه لكل خير، إن المعركة في منتصفها، فالمعابر لم تفتح والحصار لم يفك. وقد علمتنا التجارب أن النصر العسكري قد يتحقق، لكن الألاعيب السياسية تذهب بثمرته أو تضعفها، كما حصل في حرب رمضان 1393، ويسمونها حرب أكتوبر 1973، فقد حطم الجيش المصري الصائم يومها بصيحات الله أكبر التي كانت شعاره، خط بارليف الحصين الذي أقامه اليهود على طول الحدود الغربية لسيناء، ذلك الخط الذي كان الخبراء العسكريون في الشرق والغرب يقولون إنه لا سبيل لتحطيمه إلا بالقنابل النووية! ولكن، رغم تحقق النصر، إلا أن الساسة كانوا يريدونها حرب تحريك للعملية السياسية، لا حرب تحرير، فوقعت ثغرة الدفرسوار، ثم وقف إطلاق النار، ثم بدأ مسلسل عملية السلام، وتم توقيع معاهدة كامب ديفيد التي ما زلنا نجني مر ثمارها حتى اليوم. ونحن نثق بإخواننا في حماس وندعو الله أن يوفقهم في المعركة السياسية كما وفقهم في المعركة الحربية، وأن يكبت عدوهم ويذله، وأداؤهم حتى اليوم يبشر بكل خير،
(يُتْبَعُ)