فهرس الكتاب

الصفحة 14993 من 28557

فرفضهم لوجود قوات دولية على أرضهم، وقولهم إن أي قوات تأتي ستعامل كقوات غازية معادية، ورفضهم قرار مجلس الأمن الذي كان مبلغ ما تمناه كثير من العرب الرسميين، يظهر مدى وعي القيادة لألاعيب السياسة، التي ستحاول جاهدة أن تخطف النصر من أهل الإسلام، وتعطي اليهود بالسياسة ما عجزوا عن تحقيقه بالحرب.

الوقفة السادسة: معركة غزة بكل أبعادها؛ العسكرية والسياسية والإعلامية، وغيرها، ليست نهاية الحرب بيننا وبين يهود، فلن تضع الحرب بيننا وبينهم أوزارها حتى لا يبقي الله منهم أحدًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" (1) ، وقد سمعنا مرارًا أنهم يكثرون من زرع هذه الشجرة في محيط القدس، وبهذا الحديث يظهر خطأ من يقول إن الحرب ستنتهي يوم يرحل آخر يهودي عن أرض فلسطين.

الوقفة السابعة: إن هذا النصر الكبير الذي تحقق بفضل الله، ما كان ليكون لولا انتصار من نوع آخر، هو انتصار المبادئ، وهو الانتصار الأكبر. لقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على عدوهم في أكثر من آية، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ، وقال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] ، إلا أننا نرى من الأنبياء من قتل كزكريا ويحيى، ومنهم من أخرجه قومه كإبراهيم، ومنهم من كاد أن يقتله أعداؤه فرفعه الله إليه كعيسى، عليهم السلام، وكذلك من المؤمنين من قتلهم أعداؤهم كأصحاب الأخدود، إلى غير ذلك، ومع ذلك فالنصر متحقق لهم جميعًا، لأنهم ثبتوا على الدين، وهذا نصر وكرامة، كما قيل: أعظم الكرامة الثبات على الاستقامة، ولأن الإيمان الذي حملوه ودعوا إليه بقي حيًا، فكانت دماؤهم وأشلاؤهم مداد هذا الإيمان ومادته.

وقد رأينا في غزة انتصار المبادئ، فالشيخ نزار ريان رحمه الله كان قد أفتى قبل سنوات ألا يخرج أحد ويغادر داره أو بلدته خشية القصف، ولما تعرض هو لهذا الموقف ثبت على مبدئه رحمه الله حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى عزيزًا كريمًا شهيدًا، نحسبه كذلك والله حسيبه.

وكذلك الشيخ سعيد صيام وزير الداخلية رحمه الله، الذي سبق أن قال: ما انتسبنا للحركة الإسلامية لنكون وزراء بل لنكون شهداء، فنحسبه ممن صدق الله فصدقه الله ومات شهيدًا، والله حسيبه.

وقبل ذلك قال رئيس وزراء فلسطين إسماعيل هنية حفظه الله: لو علقونا على أعواد المشانق فلن ينتزعوا منا المواقف! فهذا ثبات عظيم على المبادئ، أظهرت الأيام أنه ليس مجرد كلمات جوفاء، بل كلمات تمهر بالدماء والأشلاء.

وهذا من أعظم الدروس والعبر، التي لو لم نخرج من هذه المعركة إلا به لكفى، والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت