فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [27 - Feb-2009, مساء 05:45] ـ
الأخوة الكرام وفقكم الله تعالى
جاء في مجموعة الرسائل والمسائل النجدية
يقول الشيخ حمد بن ناصر رحمه الله في رده على رسالة محمد بن أحمد الحفظي اليمني، يسأل فيها عن مسائل وكان من ضمن الأسئلة والأجوبة هذا السؤال وهذا الجواب.
فيقول: وأما قوله إن سلمنا هذا القول وظهر دليله، فالجاهل معذور لأنه لم يدر الشرك والكفر، ومَنْ مات قبل البيان فليس بكافر، وحكمه حكم المسلمين في الدنيا والآخرة لأن قصة ذات أنواط وبني إسرائيل حين جاوزوا البحر تدل على ذلك ... إلخ.
فالجواب: أن يقال أن الله تعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، فكل من بلغه القرآن ودعوة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قامت عليه الحجة قال الله تعالى:"لأنذركم به ومن بلغ"، وقال تعالى:"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا".
وقد أجمع العلماء على أن مَنْ بلغته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أن حجة الله قائمة عليه، ومعلوم بالاضطرار من الدين أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه الكتاب ليعبد وحده ولا يشرك معه غيره، فلا يدعي إلا هو ولا يذبح إلا له ولا ينذر إلا له ولا يتوكل إلا عليه. إلى أن يقول: فكل من بلغه القرآن فليس بمعذور. فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام قد بيَّنها اللهُ في كتابه، ووضحها وأقام بها الحجة على عباده، وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهمًا جليًا كما يفهمها مَنْ هداه اللهُ ووفقه وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليهم حجة الله مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفهموا كلامه فقال:"وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرًا"، وقال تعالى:"قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى"، وقال تعالى:"إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون"، وقال تعالى:"قل هل ننبئكم بالأخسرين أعملًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا"، والآيات في هذا المعنى كثيرة، يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن ولم يفقهوه، وأنه عاقبهم بجعل الأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم وأنه ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فلم يعذرهم مع هذا كله بل حكم بكفرهم، وأمر بقتالهم، فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكم بكفرهم. فهذا يبين لك أن بلوغ الحجة نوعٌ، وفهمها نوعٌ آخر. وقد سئل شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ عن هذه المسألة، فأجاب السائل بقوله: «هذا من العجب العجاب، كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مرارًا، فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الحديث عهدٍ بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتي يعرف. وأما أصول الدين التي وضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرِّقُوا بين قيام الحجة وفهم الحجة. فإن أكثر المنافقين والكفار لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى:"أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعم بل هم أضل سبيلًا"، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمها نوع آخر. وكفَّرهم الله ببلوغها إياهم مع كونهم لم يفهموها، وإن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج: «أينما لقيتموهم فاقتلوهم» مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقِّر الإنسانُ عملَ الصحابةِ معهم ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشديد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون أنهم يطيعون اللهَ، وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها. وكذلك قتل علىٌّ رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه الإلهية وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة ومع عبادتهم وصلاحهم وهم أيضًا يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير أناس من غلاة القدرية وغيرهم مع كثرة علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل أنهم لم يفهموا فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا» انتهى كلامه رحمه الله.
(يُتْبَعُ)