فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إذا تقرر هذا فنقول: هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية وظاهر حالهم الشرك بالله لا نتعرض لهم ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم، بل نقول من بلغته هذه الدعوة المحمدية فإن انقاد لها ووحد الله وعبده وحده لا شريك له، والتزم شرائع الإسلام، وعمل بما أمره الله به، وتجنب ما نهاه عنه، فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة في كل زمان ومكان. وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية، لا يعرف التوحيد الذي بعث الله به رسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله به رسوله ينهي عنه ويقاتل عليه، فهذا لا يقال أنه مسلم لجهله، بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله فظاهره الكفر، فلا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر، ويعلم ما تخفي الصدور، ولا نقول فلان مات كافرًا، لأنَّا نفرِّق بين المعين وغيره، فلا نحكم على معين بالكفر لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره، بل ذلك إلى الله، ولا نسُبُّ الأموات، بل نقول أفضوا إلى ما قدموا، وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به، بل الذي أمرنا به: أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، ونقاتل مَنْ نكل عن ذلك بعد ما ندعوه إلى ما دعاه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أصرَّ وعاند كفَّرناه وقاتلناه. فينبغي للطالب أن يفهم الفرق بين المعين وغيره، فنكفر من دان بغير الإسلام جملة، ولا نحكم على معين بالنار، ونلعن الظالمين جملة، ولا نخص معينًا بلعنه، كما قد ورد في الأحاديث، من لَعْن السارق وشارب الخمر، فنلعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم جملة، ولا نخصُّ شخصًا بعينه، يُبيِّن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر، ولما جلد رجلًا قد شرب الخمر قال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنوه فوالله ما علمتُ إلا أنَّه يُحِبّ اللهَ ورسولَهُ) إهـ. مجموعة الرسائل والمسائل النجدية.
وفي نفس المصدر إجابة لقاضي الدرعية عن سؤال مشابه جاء في السؤال:(وظهر لنا من جوابكم أن المؤمن بالله ورسولِه إذا قال أو فعل ما يكون كفرًا جهلًا منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية فهل لو قتل من هذا حاله قبل ظهور هذه الدعوة موضوع - أي دمه مثل دماء الجاهلية - أم لا؟.
يقول في الإجابة فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله وعدم مَنْ ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر يبيح الدم والمال، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، لا يقال إن لم يكن كافرًا فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية إليه. وقد ذكر أهل العلم أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار ولا حكم الأبرار.
أما حكم هذا الشخص إذا قتل ثم أسلم قاتله فإنَّا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول الإسلام يَجُب ما قبله لأن القاتل قتله في حال كفره والله أعلم ... ثم يفسر قوله عزوجل:"وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون".. إلى أن يقول: بل تجد الرجل مؤمنًا بالله ورسوله وملائكته وكتبه ورسله وما ينفعه ما معه من الإيمان، وقد ذكر الفقهاء من أهل كل مذهب"باب حكم المرتد" وهو الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة من فعل واحدًا منها كفر، وإذا تأملت ما ذكرناه تبين لك أن الإيمان الشرعي لا يجامع الكفر بخلاف الإيمان اللغوي واللهُ أعلم.
وأما قولكم: وهل ينفع هذا المؤمن المذكور ما يصدر منه من أعمال البر وأفعال الخير قبل تحقيق التوحيد؟
فيقال: لا يطلق على الرجل المذكور اسم الإسلام فضلًا عن الإيمان، بل يقال الرجل الذي يفعل الكفر، أو يعتقده، في حال جهله وعدم مَنْ ينبهه إذا فعل شيئًا من أفعال البر وأفعال الخير، أثابه اللهُ على ذلك إذا صحَّحَ إسلامه وحقق توحيده، كما يدل عليه حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من الخير» وأما الحج الذي فعله في تلك الحالة فلا نحكم ببراءة ذمته به، بل نأمره بإعادة الحج لأنَّا لا نحكم بإسلامه في تلك الحالة، والحج من شرط صحته الإسلام فكيف يحكم بصحة حجه وهو يفعل الكفر أو يعتقده، ولكنَّا لا نكفِّرَهُ لعدم قيام الحجة عليه فإذا قامت عليه الحجة وسلك غير سبيل المحجة أمرنا بإعادة الحج ليسقط الفرض عنه بيقين.
وأما ما ذكرته عن السيوطي أن الردة لا تنقض الأعمال إن لم تتصل فهي مسألة اختلف العلماء فيها وليست من هذا الباب، لأن كلام السيوطي فيمن فعل شيئًا من الأعمال في حال إسلامه ثم ارتد ثم أسلم هل يعيد ما فعله قبل ردته لأنه قد حبط بالردة أم لا؟ لأن الردة لا تحبط العمل إلا بالموت عليها) إهـ مجموعة الرسائل والمسائل النجدية.
أقول: واضح أن الذين لم يكفروا جاهل التوحيد لم يحكموا بإسلامه وقالوا بامتحانه في العرصات لأن الجنة لا يدخلها إلا نفسٌ مسلمة أو نفسٌ مؤمنة كما هو نصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(يُتْبَعُ)