رحتُ أُقارن بين هذا الموقف وموقف الداعية، رد فِعْلِها المهذَّب تِجاه سوء أدبي معها في الدرس، الآن أعترف: نعم سوء أدبي في الدرس، ابتسامتها المُشْرقة لا عن تكلف، علْمها الغزير الذي لم تبخلْ به عليَّ رغم سوء أدبي معها، حِلْمها، حرصها عليَّ، تورُّعها عن ذكْر المسلمين بسوء.
عزمتُ على الذَّهاب إليْها في الصباح لأجد من يَحتوي توتُّري وحيرتي، فقد علمت أنَّها هي التي على المنهج، وأنَّهم هم ليسوا على المنهج.
ذهبت إلى الدَّاعية في الصباح، استقبلتني بابتسامة مشرقة.
الحق أنَّ ابتِسامتها أزالتِ الكثيرَ من توتُّري.
قالت لي: تبدين مُرْهَقة.
قلتُ لَها في لهفة: جدًّا.
ثم لم أتمالكْ نفسي ورحت أقصُّ عليها ما حدث في ليلتي، قصصت عليها ما قالتْه معلمتي، قصصتُ عليها ما فعله طالب العلم الذي كان يشرح على النت، قصصت عليها قسوةَ صديقتي وسوء خلقها، رغم أني لم أخطئ في حقِّ أحد.
استمعتْ إليَّ في صبر.
كنت أرى الكراهة في وجهها عندما أذكر أحدهم بسوء، وأرى الأسف في عينيْها، وأنا أشكو لها معاناتي.
قالت لي: أختي، لقد وقعت في فخٍّ من فِخاخ الشيطان، ألا وهو التربُّص بالمسلمين، وانتظار وقوعِهم في السوء؛ لننال من أعراضهم، وهذا منهج خطأ، ليس من منهج أهل السنَّة والجماعة؛ فأهل السنَّة يعلمون الحقَّ، ويرحمون الخلق.
قلت لها: كانوا يقولون لي: إنَّ أهل السُّنَّة لابدَّ أن يُظْهِروا عوار من يدَّعي العلم؛ حتى لا تفشو بدْعته.
قالت لي: نعم أختي، يظهرون عوار أهل البدع، وليس أهل السنَّة الذين وقعوا في الخطأ، وشتان بين الأمرين، فأهل السنَّة لهم حرمة، وقد ذكر لي شيْخي ذاتَ مرَّة قول أحد السلف: إنَّ الرَّجُل يكون من أهل السنَّة فيقول بقَوْل المرجئة أو المعتزِلة - يعني في مسألة - لا يُخْرِجه ذلك عن كوْنِه من أهل السنة، ابن حجرٍ مثلًا ألم يقع في التأويل؟ هل سمعت أحد معاصريه من الأجلاء يطعن في شخصِه؟
هل ستستسيغين أن يأتيَ اليوم أحدٌ فيقول: إنَّ ابنَ حجر مبتدع وإنَّ عليْنا هجران كتبه؟ لا، فقط نقول: احذر - يا طالب العلم - وأنت تقرأ كُتُب ابن حجَر، فقد وقع في بعْض التَّأويل ونحن نَحسبه على خير.
لكن الحلاَّج، هل تجدين أحدًا من عُلماء عصْرِه أو عصْرِنا يُبيح لك النَّظر في كتبه، أو يقول نَحسبه على خير؟! أو يُوازن بين حسناته وسيِّئاته؟!
لا، وألف لا، وكذلك مَن كان على شاكلته من المبتدعة وأهل الكفْر، والفرق بيْن ابْنِ حجرٍ والحلاَّج: أنَّ ابْنَ حجر من أهل السُّنَّة لكن زلَّ، أمَّا الحلاَّج فصوفي من أهل وحْدة الوجود.
كذلك اليوم من كان من أهل السنة حفِظْنا له حرمةَ انتِمائِه لأهل السنَّة، ومن كان من أهل البدع نظرْنا في المصلحة الرَّاجحة وفعلناها، إن كانت المصلحة في التشهير به، فعلنا، وإن كانتِ المصلحة في عدَم ذكره أصلًا؛ كي لا يشتهر وهو أصلًا مغمور مثلًا، والاكتفاء بالتنبيه على البِدَع - فعلنا.
أمَّا التسوية بين أهل البدع وأهل السنَّة الذين زلُّوا، فليس من العدل في شيء؛ قال تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
وليس من شِيَم النبي مُحمَّد - صلى الله عليه وسلَّم - فقد قال لأصحابه حينما ظنُّوا بالرجُل الذي جُلِدَ في حدِّ الخَمر مرارًا ظنَّ سوء، قال لهم: (( لا تسبُّوه؛ فإنَّه رجُلٌ يحبُّ الله ورسوله ) )، أو كما قال.
وكما رأيت: فإنَّ جلَّ مَن يدخل في هذا المنهج الخطأ، المُخالِف لما كان عليْه السلف الصالح - يُغْلِظ القول حتى يصير هذا الخُلُق الغليظ له عادةً، ووالله هذه سنَّة الله في خلقِه، فلحوم العُلماء مسمومة، والآكِل منها أفسد على نفسه دينَه ودُنياه وقلبَه.
فليس هذا طريقَ مَن أراد أن يأتِيَ الله بقلْبٍ سليم، وكما لابد أنَّك تعلمين - مادمت درست في علم الجرح والتَّعديل: أنَّه لا يتكلَّم في الرِّجال إلا تامُّ العلم تام التقوى.
وها أنت ترَيْنَ أصاغرَ من طلبة العلم يقَعون في أعراض بعضِهم، وأعراض كبار العُلماء والدعاة، لا نقلًا عن أكابِر العلماء بل قول صادر عن هواهم، ألَم تسمعي عن ابن أبي حاتم وقد دخل عليه رجُل، فقال له: يقول يحيى بن معين:"إنَّا لنسقط أقوامًا - يعني: من الرواية - قد حطُّوا رحالَهم في الجنَّة منذ أكثر من سنين".
فسقط الكتاب من يد ابن أبي حاتم وبكى.
هل ترين ورَعَهم وخشيتهم؟
هل سمعت أنَّ الشَّيخ الفوزان لمَّا سُئِل مَن هم علماء الجرح والتعديل في هذا العصر، ماذا قال؟ قال: علماء الجرح والتعديل في المقابر، لا يُوجد سند ورواية الآن لنقول إن هناك علماء جرح وتعديل، فبناءً على كلام أهْل هذا المنطق؛ يكون الفوزان مبتدعًا وضالاًّ ومضلاًّ إذًا!.
وبالقطْع، نحن نحتاج لبيان حال المبتدعة، بشرط أن ننصف ويكونوا مبتدعة حقًّا، أما الصدور عن الهوى؛ بدعوى الذبِّ عنِ الدين، ورمْي عُلماء السُّنة بالبدع، وتصيُّد الأخطاء، وتَحميل اللفظ فوق ما يَحتمل؛ لإثبات وجهات نظَرٍ شخصيَّة - فليس هذا من المنهج في شيء.
نعم أختي، نتحدَّث في أهل البدع لا أهل السنة الذين أخطؤوا في الفقه، أو رفضوا جرْحَ شخص لقول بعض الشيوخ، ولا أهل السنة الذين اجتهدوا في مسائل متَّبعين الدليل، حتَّى لو لم يصيبوا الحقَّ.
فهذا ليس جرحًا ولا تعديلًا، هذا سب وتشهير.
أختي:
إنَّ الخَطْب جلل، وإنَّ الأصْل في المسلِم السَّلامة، وإنَّ الوقوع في أعْراض النَّاس ليس سبيل المتقين، وأنصحك، تجوَّلي بنظرك في كتب القُدماء، اقرئي كلامَ ابن تيمية وابن القيم وكل عالم من أعلام السلف.
انظري:
كيف كان حسن ظنِّهم في بعضهم البعض؟ وكيف كانوا لا يُحمِّلون الكلام فوق ما يَحتمِله؟ وستعلمين إن كان ما يَحدُث بين أصاغر الطَّلبة اليوم من منهجِ أهل السُّنَّة أم لا.
كانت تتحدَّث وعبراتي تتساقط، واسوأتاه! كم ضيعت من عمري!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا الحوار جزء من حوار حدث صدقًا وحقًّا .... وبنفس الطريقة، وما لم أقصّه أعظم مما قصصته.