قاطعتها بحزم: هذا لا يصحُّ أختي، نحن نتحدَّث عن عالِم لا عن بائع خضار، وإن كان بائع الخضار له حرمة الإسلام فالعالم له حُرْمة الإسْلام وله حرمة العلم، وأنا أظنُّ في الواقع أنَّه اشتبه عليْك أو على مَن سمع جملة من كلام الشيخ، وكان الواجب أن ننظر في كلامِه، ونردَّ المتشابه للمُحْكم من كلامه، ونحمِّل الكلام أحسن معنًى له، لا أن نتحامل على الكلام، ونتعسَّف ونُحمِّله ما لا يُطيق بشبهةٍ وتسرُّع، ورغْبة في إسقاط العالِم لِحسدٍ أو غيرة أو ما شابه، فإسْقاط العالِم بِهذه الطريقة هو في الواقع مِعْول هدْم للإسْلام.
سكتت الطالبة هنيهة، ثم قالت: لقد أصابَنِي صُداع، إنَّ رأْسي يدور، لا أعرف حقًّا من باطل.
قالت الداعية: أختي في الله، إياك إياك وأعراضَ المسلمين، وخاصَّة العلماء؛ فإنَّك إن استبحْتِها فقد سقطتِ في فتنة عظيمة، لن تَخرُجي منها على خير.
نسأل الله لنا ولك العافية.
عدت إلى بيتي ورأسي يدور، أين الحق؟
اتَّصلت بمعلِّمتي التي لقَّنتني المنهج، حكيْتُ لَها ما حدث.
بادرتْني المعلِّمة: ولِمَ ذهبتِ لها؟ لِماذا لم تسأليني عنها؟!
وقع في نفسي: أنَّ هناك شيئًا خطأً، قلتُ بحذر: ولماذا أسألُك عنها؟
قالت المعلمة: تسألينَنِي هل هي على المنهج أو لا؟
ثم أردفت في جدية: هي ليْستْ على المنهج طبعًا.
قلت في حذَر أكبر: هل تحدَّث فيها أحدُ العُلماء الكبار؟
أطلقت ضحِكة مستَهْجنة وقالت: لا، ليستْ مشهورةً إلى هذا الحد.
قلت لها - وألف علامة تعجُّب ترتسِم أمامي: إذًا كيف قُلْتِ إنَّها ليست على المنهج؟
لقد علَّمتِني: أنَّ حكم الجرح ليس لنا، بل أنتِ تنقلينه عن شيوخٍ أعلام، وليس لنا كطلاب عِلْم أن نَحكم هكذا، أليس كذلك؟! ثُمَّ هل سمعتِها؟ هل تعرفين عنها شيئًا؟
سكتت معلِّمتي لحظة ثم قالت: يبدو أنَّك بدأت تتأثَّرين بالمبتدعة، مادامت ليستْ معنا إذًا فهي ليستْ على المنهج، ولا داعيَ أبدًا أن تُخالطي مَن لا تثقين في منهجهم.
أنْهيت المكالمة وأنا أشعر برأسي يكاد ينفجر، دخلت النت.
قابلتْني إحدى الأخوات على الماسنجر، ودعتْني لِحضور درس فقْه، ما إن بدأ طالب العلم الحديث حتى قطع الدرسَ بعضُ الإخوة، يكتُبون عن شيخ آخر كلامًا شديدًا، فيه سب ولعْن وشتائم، نعم، لم أخطئ القِراءة، وليس هذا خطأ طباعي.
سبّ ولعْن وشتْم لأحَد الشُّيوخ العلماء الأجلاء.
ذهِلت من هوْل الألفاظ، كتبتُ: (( ليس المؤمن بلعَّان ولا طعَّان ولا فاحشٍ ولا بَذيء ) ).
كان جزائي الطَّرد من الغرفة الصوتيَّة.
راسلتُ صديقتي، وكانت تعرف طالب العِلم الذي كان يشرح بالغرفة، بادرتني: لماذا كتبتِ هذا؟
قلتُ في حيرة: كتبتُ ماذا؟
قالت: على أي حال الشيخ - تتحدَّث عن طالب العلم - طلبَ التحدُّث إليْكِ على الخاص.
حضر النقاشَ صديقتي وأخت أخرى.
بادرني بالسؤال: هل أنتِ سلفيَّة؟
قلت: نعم، ولله الحمد.
قال لي: ما رأيك في هذا القول، وذكر قول إحدى الفرق المبتدعة؟
قلت له: أظنُّ هذا قولَ الأشاعرة أو المعتزِلة.
قال - وصوته يقطر استهزاءً واحتِقارًا: ما هذا يا أخت؟ مِن المهمِّ جدًّا أن يكون طالبُ العلم ملمًّا بِمسائل العقيدة، إنَّ هذا القول الذي ذكرْتُه لك هو قوْل الكلابيَّة وليس الأشعرية، إنا لله وإنَّا إليْه راجعون.
ثم بدأ يرثي حالَ النَّاس اليوم.
ثم سأل: ما قول أهْل السُّنة في - وذَكر مسألةً دقيقةً منْ مَسائِل الاعتِقاد؟
الحقيقة خشيتُ الإجابة، قلت: لا أدري.
سيل من الاستهزاء والسخرية.
قال: يا أُخت، لا أقول إنَّك مبتدِعة، لكنَّك لا تَفقهين شيئًا، فيجب أن تتعلَّمي قبل أن تدَّعي السلفيَّة [1] .
خرجت من النت مذهولةً مِمَّا يَحدث، أهؤلاء الطَّلبة هم مَن أظنُّ أنَّهم على المنهج، إنَّا لله وإنَّا إليْه راجعون.
اتَّصلت بي صديقتي التي كانت معي في درس الفقْه، وبَّختْنِي وراحت تَستفيضُ كيف أنَّني غير مهذَّبة، وأنَّني تطاولْتُ على طلبة العلم، و ... و ...
كل هذا يحدث لي لأنِّي كتبتُ حديثَ النَّبيِّ - صلى الله عليْه وسلَّم - يا أهل المنهج؟!
(يُتْبَعُ)