فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالدين لفظ جاء في لغة العرب على معان متعددة، منها الطريقة والمذهب والملة والعادة والشأن، كما تقول العرب في الريح:"عادت هيفُ لأديانها"، ويقولون: ما زال ذلك ديني وديدني، ومنها الجزاء والمكافأة يقال: دانه بدينه دينًا أي جازاه، ويقال: كما تدين تُدان، أي: كما تجازي تُجازى بفعلك، وبحسب ما عملت. ومنها سيرة الملك ومملكته. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
لئن حللت بجو في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فَدَكُ
يريد موضع طاعة عمرو وسيرته.
ومنها: السياسة، والديان السائس، ومنه قول ذي الإصبع:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني
ومعنى ديَّاني سائسي.
ومنها: الطاعة والعبودية والخضوع تحت سلطان آخر والائتمار بأمره.
يقال: (دنتهم فدانوا) أي: قهرتهم فأطاعوا، ومنه الحديث:"أريد من قريش كلمة تدين لهم بها العرب"أي تطيعهم وتخضع لهم.
ومعنى الدين في الشرع وفي استخدام القرآن للفظة الدين، لا يخرج عن المعنى اللغوي.
فمن ذلك قول الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [يوسف:40] .
فدين الله هنا هو الخضوع له، والانقياد لحكمه وأمره ونهيه.
وقوله تعالى: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه) [يوسف:76] .
وقوله تعالى عن فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر:26] .
فكلمة دينكم تعني ملتكم، وتعني كذلك نظامكم وقوانينكم وتقاليدكم التي تسيرون عليها في الدولة.
فدين الملك سياسته، وقانونه، وشريعته، ونظامه.
وقول الله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة:4] . يوم الجزاء والحساب والمكافأة.
وبعد هذا نقول: من اتخذ الديمقراطية أو الاشتراكية أو أي نظام أو فكر غير الإسلام عقيدة يعتقدها، ونظامًا يلتزمه، وسلطة يخضع لها وينطلق عن أمرها ونهيها، فقد دان بدين غير دين الإسلام، ورضي عقيدة غير عقيدة الإسلام.
والله أعلم.
فلا يُشترط لكلمة الدين أو الشريعة أن تكون مما يُتعبد بها، حتى تحصرهما في هذا المعنى!!!
ولا يُشترط استحلالهم لأحكام الياسق قلبيًا حتى تكون شريعة متبعة، أو منهجًا مُطاعًا منقادًا له، خاصة وأن ابن كثير لم يذكر الاعتقاد البتة في كلامه الآنف.
قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره:
وقوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {لكل جعلنا منكم شرعة} قال: سبيلًا. وحدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: {ومنهاجًا} قال: وسنة. كذا روى العوفي عن ابن عباس: {شرعة ومنهاجًا} : سبيلًا وسنة. وكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وقتادة، والضحاك، والسدي، وأبي إسحاق السبيعي؛ أنهم قالوا في قوله: {شرعة ومنهاجًا} : أي سبيلًا وسنة. وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد، وعطاء الخراساني عكسه {شرعة ومنهاجًا} أي: سنة وسبيلًا. والأول أنسب؛ فإن الشرعة وهي الشريعة أيضًا هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع في كذا، أي ابتدأ فيه، كذا الشريعة، وهي ما يشرع فيها إلى الماء. أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل، والسنن والطرائق.
فتفسير قوله: {شرعة ومنهاجًا} بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم.
ثم قال معلقًّا على كلام ابن كثير في قوله:"يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله"في هامش رقم [3] :
(يُتْبَعُ)