فهرس الكتاب

الصفحة 15487 من 28557

قد يرى البعض أن أفضل وسيلة هي تجاهل الحرب الصحفية والمضي قدما في الخطاب? العلمي والدعوي مباشرة نحو الجمهور دون الانشغال بمعارك جانبية قد تستنفد الجهود والأوقات والطاقات. ما رأيك؟

أشرت إلى هذه الفكرة في جواب السؤال السابق. ولا يخفى أن بيان الحق يكون بنشر الحق وردّ الباطل، ولا شك أن لرد الباطل ضوابط: منها أن لا يصل حدّ الانشغال بالتنقيب عن الباطل والترويج له دون وعي. وهنا ينبغي مراعاة شروط إنكار المنكر وقد ذكرتها في موضوع نشر في هذا الموقع بعنوان: جهود العلماء والمحتسبين بين النفع والنقد .. ولابن بطّة رحمه الله كلام بديع عن طريقة الحوار مع أهل الباطل في كتاب الإبانة يُنصح بالرجوع إليه، وقد ذكرتها في كتابة حول فقه الحوار المعاصر أسأل الله عز وجل أن ييسر نشرها.

والخلاصة أننا نشهد اهتماما بجميع هذه الجوانب، وهذا نهج صحيح، وعلى كلٍ أن يسعى جهده في نشر الخير، وهو الأصل، وردّ الباطل وهو من دفع الشرّ المتضمن نشر الخير، فلا ينبغي أن يزعم أحد أن ما اختاره من أبواب الخير هو الذي يجب على الآخرين اختياره، كما لا يجوز أن يحقر أحد جهد أحد، ولا أن يمن أحد جهده، وليرجع باغي الحق في جواب هذا السؤال، لمعاني قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 1} قُمْ فَأَنذِرْ {2} وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ {3} وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ {4} وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ {5} وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ {6} وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ، وقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ..

هل ترى أن محاولة التغريب الآن التي تجري في بلاد الحرمين من خلال نقد المرجعيات العلمية وغيرها من الأساليب تتلمس خطى التغريب التي جرت في البلدان العربية والإسلامية الأخرى وتكرر تجربتها؟

يا أخي الكريم .. إنها لا تتلمس خطاها فحسب، وأحيانا تشك في أنها تنتقي أخطاءها لتكررها! وهذا إن صح له دلالات خطيرة، في أهداف من يدفع هؤلاء ونواياه، لأن تكرار الأخطاء يعني تكرار المآسي، وتكرار المآسي يعيد التاريخ"الاستعماري"القذر. دعني أشير إلى مسألة ظهور مجموعات كفرية وتكفيرية في بعض مجتمعات المسلمين، مع أنها لم تكن معهودة في التاريخ الذي سبق ظهورها ..

وأنا أزعم أن كثيرا من هؤلاء يجهل التاريخ المعاصر فضلًا عن الجهود التي بذلتها الأمة في التخلص من"الاستعمار"وأذنابه؛ وقد حاورت بعضهم، فظهر لي أنه لا يعرف شيئا عن تاريخ الشبهات التي يوردها، وكان يوردها فرحًا جذِلًا كما لو كان هو الذي بدعها، بينما كانت من مخلفات تاريخ مصر والمغرب، وما قبل ذلك، وكلها قد ناقشها علماء المسلمين في مصر والشام والعراق، في حينه. وكنت أحيله إلى بعض هذه الردود فيعجب أنه وجد الشبهة بصياغة علمية، ووجد تحته مباشرة جوابا لا يدع لمتشكك مجالًا للتعالم، في طلعة قديمة من كتاب لعالم من علماء المسلمين، فتأكّد له أنه من يقدم له هذه الشبهات إنَّما يجترّ من الماضي المحسوم، وأنه لا جديد لديه! اللهم إلا نوعية القلم أو الراقم، والورق أو الشاشة.

وهنا أود التنبيه إلى أمر مهم بالنسبة لهؤلاء، وهو أنهم عوام في الجوانب الشرعية، وتحتاج معهم إلى عدة مقدمات لتوصله إلى العمق الإسلامي الذي يكشف شبهته إن كان ذا شبهة، لا باغي شهوة.

ومن آخر ما وقفت عليه في تأكيد ما ذكرتم في السؤال كتاب لطيف يحسن بطالب العلم الواعي الاطلاع إليه - مع التحفظ على بعض ما فيه من الآراء - ألا وهو كتاب: المسلمون من التبعية والفتنة إلى القيادة والتمكين، للدكتور عبد الحليم عويس، من مطبوعات مكتبة العبيكان. وهناك كتب أوسع فيما يتعلق ببعض الأقاليم، ككتاب (واقعنا المعاصر) للأستاذ محمد قطب. وقد سجلت بعض الملحوظات في هذا الجانب في مقال بعنوان: محاولات التسلل إلى نقد الشرعية الإسلامية العليا.

هل ترى أن المناظرات العلمية والنقاش الموضوعي كفيلان برد المخالفين إلى الحق؟ أم أن البعض ربما احتاج إلى أساليب أخرى كالكتابة الساخرة و نبش الماضي الشخصي الذي لا يسر أصحابه في كثير من الأحيان؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت