وإذا أردت أن تعرف أهمية هذه المسألة فانظر إلى آراء ابن تيمية والسبكي والرملي والإسبيجابي والحلواني وغيرهم من العلماء كانوا يعيشون في عهد استولى فيه التتار على بلاد كثيرة للمسلمين.
قارن بين آراء هؤلاء العلماء وبين آراء الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد الذين كانوا يعيشون في عهد الخلافة الإسلامية الزاهرة تجد تفاوتًا مع أنهم كلهم يتكلمون عن دار الإسلام ودار الحرب كما ترون في كلام ابن تيمية في بلدة ماردين أو في غيرها.
فهذا التفاوت ناشئ عن التأثر بالواقع السياسي الذي تعيشه الأمة فالتفريق في هذه المسألة مبني على الواقع فلا بد أن نراعي الخلاف بين الواقع باختلاف الزمان والمكان.
أيضًا الكلام في موضوع التفريق بين دار الإسلام ودار الحرب ليس موجهًا إلى عوام الناس وإلى آحاد الناس ودخول آحاد الناس في هذا هو من دخولهم فيما لا يعني «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
فهذه القضية كما ذكرنا من قضايا الفقه السياسي وآثارها موجهة إلى الأئمة وإلى الأمراء فتسويغ مقاتلة الخارج عن شريعة الله في الدار التي تجاذبتها مظاهر الكفر والإسلام كما في فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية ليس لأفراد الناس بل لمن هو تحت راية الإمام أو الحاكم المسلم.
لذلك من الخطأ الفاحش ما يحصل من بعض الإخوة حينما يستدلون بكلام شيخ الإسلام في واقع كان يعيشه وذلك عند هجوم التتار على بلاد المسلمين فيحكون إجماع العلماء على وجوب مقاتلة الطائفة التي تمتنع عن إقامة شيء من شرائع الإسلام الظاهرة - صحيح أن ما نعيشه اليوم أقبح وأفحش من مجرد امتناع طائفة عن شيء من أحكام الشريعة فما نحن فيه أشد من ذلك لأنه ليس مجرد امتناع عن شريعة بل نبذ للدين- ويتناسون تمامًا أن الكلام موجه إلى دولة المماليك فكان هناك دولة وجيش وتمايز بين الصفوف.
كان ابن تيمية يتكلم على واقع فكيف تأخذ هذا الكلام من الكتب وتطبقه على الواقع الذي نعيشه الآن مع الإهمال الكامل لهذه الملابسات وهذا الفرق الشاسع؟!
فهذه دولة له قوتها ولها جيوش ولها أمراءها كيان إسلامي متميز يواجه التتار، والتتار أفضل ممن يحكموننا الآن من حيث موقفهم من الدين لكن ينبغي أن يلاحظ الفرق، ولا يصلح أن تطبق على واقعنا فتوى صدرت نتيجة تفاعل مع واقع آخر بل ينبغي أن يراعى الفرق وهذا سوف نزيده إيضاحًا إن شاء الله تعالى.
فحيثما قرأت في أي كتاب من كتب الفقه أن تارك الصلاة يقتل ويستتاب هل هذه لآحاد الناس؟ إقامة الحدود رجم الزاني المحصن وجلد الزاني غير المحصن أو جلد شارب الخمر أو قطع يد السارق هل تترك هذه لآحاد الناس؟
إذن لكان الأمر فوضى فلا بد أن يكون هناك ولي أمر للمسلمين هو الذي يقيم الحدود فهذا سؤال سنجيبه عنه بالتفصيل ونناقشه بأدلته.
أيضًا قضية تكفير المسلمين مسألة خطيرة لا بد أن تقوم على برهان - ولا يجوز حتى لو حكمنا على الديار بأنها ديار كفر- أن يكفر أهلها بالذات في بلاد المسلمين التي نعيش فيها.
نلم أيضًا إلمامة بقضية من القضايا الأساسية جدًا بل هي أخطرها على الإطلاق بعد أن سبق من قبل التفريق بين مسمى الجهاد ومسمى الخروج على الحاكم فاعتقد الآن بعدما ذكرناه من قبل أنه لا ينبغي أن نخلط بين الأمرين فالجهاد مصطلح محدد في الفقه الإسلامي ينصرف عند الإطلاق وكثير من الإخوة لا ينتبهون إلى مثل هذه الضوابط في الكلام نقول: «ينصرف عند الإطلاق» فيأتي لبعض الأفعال ويقول: هذه تسمى جهادًا ?يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ? [التوبة: 73]
فأنا أقول: «عند الإطلاق» لكن بخلاف ذلك يمكن أن يستعمل لفظ الجهاد فبر الوالدين جهاد «ففيهما فجاهد» العبادات جهاد مقاومة الشهوات جهاد وغير ذلك من الأحاديث كما سبق أن بينا من قبل.
فأنا أتكلم عن الجهاد بالمعنى الفقهي الاصطلاحي ينصرف إلى قتال الكفار لإعلاء كلمة الله والمعاونة على ذلك وناقشن ذلك بالتفصيل من قبل.
(يُتْبَعُ)