هذا أمر مهم جدًا أيضًا وهو أن الأحكام المتعلقة بأفراد الناس لا تختلف باختلاف الدار لذلك نقول: هذه قضايا ليست مما يعنينا لأنها من قضايا الفقه السياسي فتترك إلى أهلها أما آحاد الناس وطالب العلم الحديث العهد حتى بمجرد إقامة الصلاة نجد هذه الظاهرة فقد يكون حديث عهد بالصلاة منذ أيام أو أسابيع قليلة ويقفز مباشرة إلى الخوض في قضية الدار وهل نحن نعيش في دار كفر أو في دار إسلام إلى آخر هذا الكلام.
فهذا لا يعنيك في شيء لأن هذه الأحكام لا علاقة لها بأفراد الناس وهذه الأحكام الشرعية لا تختلف باختلاف الدار فالحلال والحرام حرام أي كانت الدار فالسرقة في بلاد الإسلام أيضًا حرام كما هي في بلاد الكفر، الغدر والغش والخيانة كذلك.
يقول الإمام الشافعي:: «ومما يوافق التنزيل والسنة ويعقله المسلمون ويجتمعون عليه أن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر والحرام في دار الإسلام حرام في بلاد الكفر فمن أصاب حرامًا فقد حده الله على ما شاء منه ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئًا» .
فهذا فيما يتعلق بالمسلم، فالمسلم معصوم سواء كان في بلاد الإسلام أو في بلاد الكفر، كذلك لا تختلف الأحكام باختلاف الديار فالحرام حرام بغض النظر عن اختلاف المكان والحلال حلال بغض النظر عن نوع الدار.
أيضًا الكافر الحربي مباح الدم على كل حال ما لم يؤمن من المسلمين، كذلك إعانة الخارجين على أحكام الشرعية محرمة سواء كانوا في دار الإسلام أم في دار الحرب.
إذن حدود الغلو في قضية دار الحرب ودار الإسلام تظهر في بعض المواقف:
منها: استحلال الدماء والأموال وإعلان الجهاد على هذه الدار التي جعلت دار كفر بزعمهم، إذا حكموا بأنها دار كفر بسبب قصر النظر وقلة العلم والجرأة على الفتيا في دين الله ? فإنهم يطبقون عليها كل أحكام دار الكفر فيكون أهلها كفارًا وتستحل الدماء والأموال ويعلن عليها الجهاد كأنه هؤلاء كفار!.
أيضًا من مظاهر الغلو في هذا الموضوع: تكفير أهل الدار بناء على وصف دارهم بأنها دار كفر، وبالتالي لا يشهدون جمعة ولا جماعة.
لكن على أي الأحوال لا يقال في حق من يحكم على بعض بلاد المسلمين التي تحكم بغير شريعة الله - بالقوانين الوضعية- لا يقال بأن هذا غلة لأن الغلو كما أشرنا في هذه الجوانب التي ذكرناها من استحلال الدماء والأموال وإعلان الجهاد على المسلمين بحجة أنهم يعيشون في دار كفر.
ثانيًا: يكون بتكفير أهل الدار بناء على وصفها بأنها دار كفر.
أما وصف العلماء بالذات من المعاصرين لبعض الديار بأنها ديار كفر لا يدخل في التنطع ولا التطرف ولا هذا الغلو لأن هذا اجتهاد له مساغ لأن بعض الفقهاء يعتبرون أن أعمال الإمام - الحاكم - هي التي تحكم على الدار، فيحكم على الدار بالكفر طبقًا للأحكام التي تعلوها بغض النظر عن أهلها، فهذا قال به أعلام من علماء المسلمين لكن ليس أحد منهم يقول باستباحة الأموال والدماء وإعلان الجهاد على أهلها.
وحتى لو قيل ذلك فإن المستقر عند عامة أهل العلم أن الخطاب في مسائل القتال والجهاد موجه للأمة كلها ممثلة في ولي أمرها ولو ساغ أن يخاطب كل فرد أو كل جماعة معينة بإعلان الجهاد دون الأمة لأدى ذلك إلى التهارج وإلى الفتنة.
ومن النماذج الواقعية ما حصل من جماعة شكري مصطفى جماعة الخوارج الجدد المسماة بـ «التكفير والهجرة» فإنهم لما حكموا على مصر وعلى بلاد المسلمين بأنها بلاد كفر أدى هذا إلى أن قالوا بتكفير كل مقيم فيها، فهم يعتقدون أن هذه البلاد تعيش في حياة جاهلية كاملة وأن أهلها كفار لأنها دار كفر، ويقول أن الذي يعيش في هذه الجماعات يكثر سواد الكفار فيجب أن يعتزل.
إذن خلاصة الكلام في هذا الموضوع أن مفهوم دار الإسلام ودار الكفر غير منضبط بصورة قاطعة وليس له حدود واضحة بحيث تخرج الدار إذا تجاوزتها عن وصف الإسلام وجعل هذا المفهوم طريقًا لاستحلال الدماء والأموال أمر خطير، وذلك أن الدماء والأموال شأنها عظيم ولا تستحل إلا ببرهان ساطع ودليل قاطع.
ثانيًا: الاستدلال في هذه القضية بكلام العلماء لا يستقيم لأمرين:
أولًا: أن كلام العلماء في التفريق بين الدور ينبغي أن لا يقطع عن ظرفه الزماني والمكاني إذ معظم العلماء الذين تكلموا في الدور وفرقوا بينها كانوا على عهد الخلافة التي تمثل الوحدة السياسية لبلاد المسلمين.
(يُتْبَعُ)