يقول الشيخ أبو زهرة:: «وتقسيم الفقهاء العالم إلى دارين أو ثلاثة: دار إسلام ودار حرب ودار عهد لم يكن بحكم الشرع وإنما باستنباط الفقهاء المجتهدين بحكم الواقع» .
فلا يكاد يوقف على نص قاطع في التفريق بين دار الإسلام ودار الكفر ولكن هناك بعض الأحاديث يفهم منها من خلال الحث على الهجرة كما في الحديث: «فأمرهم أن يتحولوا منها إلى دار المهاجرين» ففهم منها أن دارهم دار كفر إلى دار المهاجرين التي هي دار الإسلام، وأحاديث الهجرة ليس فيها دلالة قطعية على التفريق بين الدور وتقسيمها إلى دار إسلام وإلى دار حرب أو كفر.
هذا التفريق بين الديار كان نتيجة الحال التي عاشها المسلمون وكأن الأقدمين من الفقهاء لما رأوا الهجرة وأحكامها والجهاد وأحكامه رأوا أنه لا بد من التفريق بين دار الحرب ودار الإسلام وهؤلاء الذين فرقوا لم يستندوا إلى نص بين في تحقيق مناط الحكم على الدار وإنما كان ذلك محل اجتهاد كل ينظر فيما يراه وصفًا مؤثرًا فيبينه ويبني عليه أقواله.
وما من شك أن هذا التقسيم كان متأثرًا بالواقع السياسي الذي كان الفقهاء يعيشونه في عصر وحدة دولة الإسلام وقوة شوكتها واتساع أرضها وحكم حكامها بالشرع أو عدم ذلك.
إذن القضية ملتبسة الدلالة في موضعين أولًا في موضوع التفريق بين الدور فليس مأخذ ذلك التفريق بينًا قاطعًا.
كذلك في تحقيق مناط هذا الفرق هل هو أعمال الإمام أم أعمال الأمة أم هو الأمان؟
أيضًا هذا كما أشرنا محض اجتهاد من الفقهاء رحمهم الله تعالى.
أيضًا العلماء الذين دفعوا إلى تقسيم العالم إلى دارين دار كفر ودار إسلام دفعوا إلى هذا القول بعدة عوامل:
أولها: أنه في ظل الفتوحات الإسلامية كانت الحاجة ماسة إلى التمييز بين دار الإسلام ودار الحرب ليكون في وقت الجهاد لكل منهما أحكامها، إذن فمسألة التفريق مسألة اجتهادية.
أيضًا كانت البلاد الإسلامية في ذلك الوقت تحت راية واحدة هي راية الخلافة الإسلامية مع وجود راية أخرى كالروم فجاء هذا التقسيم تأصيلًا لواقع العلاقات بين المسلمين وغيرهم.
لأن الحرب كانت هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع هذه الدول في ذلك الوقت وبالتالي اضطر الفقهاء إلى هذا التقسيم كي يضبطوا وينظموا العلاقة مع هذه الديار.
هناك أيضًا أحكام شرعية يرى بعض العلماء اختلافها بحسب اختلاف الدار لذلك وضعوا هذا التقسيم والتفريق.
أيضًا إذا قيل أن الدار دار كفر فهذا لا يعني أن جميع من في الدار كفار فهذا فهم خاطئ وكل ما بني عليه فهو كذلك فالإقامة في دار الكفر ليست سببًا في إكفار المقيم.
أيضًا الحكم على الدور والتفريق بينها ليس وراءه كبير فائدة لأفراد الناس وآحادهم وليس مؤثرًا في الأحكام المتعلقة بهم بل الفائدة منه متعلقة بالحاكم المسلم فالموضوع من قضايا الفقه السياسي.
مما يبين ذلك أن الأحاديث الصحيحة وردت بأن الكافر إذا تكلم بكلمة الإسلام عصم دمه وماله سواء كان في دار الحرب أم في دار الإسلام، فالمسلم معصوم الدم والمال في كل حال.
ومما يشهد لذلك قول الله تعالى ?وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ? أي يمكن أن يكون من دار الكفر ?فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا? [النساء: 92]
يقول الإمام الشافعي: «فأوجب الله بقتل المؤمن خطأ الدية وتحرير رقبة وبقتل ذي الميثاق الدية وتحرير رقبة إذا كانا معا ممنوعي الدم بالإيمان والعهد والدار معا فكان المؤمن في الدار غير الممنوعة وهو ممنوع بالإيمان فجعلت فيه الكفارة بإتلافه ولم يجعل فيه الدية وهو ممنوع الدم بالإيمان» .
أي أن الكافر في بلاد الكفار إذا قتله المؤمن فإنه يكون فيه كفارة لأنه أتلفه ولم يجعل فيه الدية، فعامله بصفة أنه مؤمن مع كونه من أهل دار الحرب.
(يُتْبَعُ)