قال الدسوقي: «إن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلائهم عليها بل حتى تنقطع إقامة الشعائر عنها، وأما ما دامت شعائر الإسلام أو غالبها قائمة فيها فلا تصير دار حرب» .
حتى لو استولى عليها الكفار وأجروا عليها أحكام الكفر لكن ما دام الشعب متمسكًا بالدين يقيم شعائر الإسلام وبالذات الصلاة فلا تنقلب إلى دار كفر.
وخلاصة الكلام أنه إذا وجد إنسان في بلد غلب عليها الكفار لكنه يقدر على إظهار دينه فإنه يبقى في هذه البلاد لأنه يرجى ببقائه إسلام غيره ولأنه إذا هاجر منها تصير دار حرب لأنه لم يبق فيه أحد من المسلمين.
أما القول الخامس فيرى شيخ الإسلام أن مثل هذه الدار لا تكون دار إسلام ولا دار كفر بل هي قسم ثالث.
سئل عن بلدة ماردين فقال: «وأما كونها دار حرب أو سلم فهي مركبة فيها المعنيان ليست بمنزلة دار السلم التي يجري عليها أحكام الإسلام , لكون جندها مسلمين , ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار , بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه» .
فهو يرجح القول الرابع وهو أن دار الإسلام لا تتحول إلى دار كفر بمجرد ظهور أحكام الكفر فيها أو بمجرد استيلاء الكفار عليها ما دام سكانها المسلمون يدافعون عن دينهم بل ما داموا يقيمون بعض الشعائر وخصوصًا الصلاة.
وأدلة ذلك:
أولًا: أن الأصل في الشرع بقاء ما كان على ما كان وأنه لا ينتقل عن حكم الأصل حتى يثبت ما ينقله بيقين فالبلد الذي فتح وأصبح دار إسلام لا ينتقل عن هذا الأصل إلا بتحول واضح ويذكر هنا مثالين:
الأول: الأندلس:
فقد تحولت هذه البلاد بعد إخراج المسلمين منها إلى دار كفر لأن مظاهر الإسلام فيها أصبحت في حكم العدم.
المثال الثاني: البلاد الإسلامية المحكومة بغير ما أنزل الله مع إقامة الشعائر وظهور الإسلام دار إسلام.
لأنه ليس هناك ناقل عن هذا الأصل ويبقى الأصل واليقين على ما هو عليه إلى أن يأتي دليل فينقله.
فيترجح جانب الإسلام في مثل هذه البلاد:
أولًا: لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ثانيًا: احتياطًا للدماء والأموال.
لأننا لو قلنا دار كفر آل ذلك إلى استحلال دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.
أيضًا إذا وجدت في الدار بعض مظاهر الإسلام دل على أن شيئًا من العلة قد بقي وبقاء شيء من العلة يبقي الحكم.
فما دام الناس ينطقون بالشهادتين ويصلون وشعائر الإسلام ظاهرة من إلقاء السلام وصلاة العيد فما دامت شعائر الإسلام هي الظاهرة وهي صبغة المجتمع فبقاء حتى ولو جزء من العلة يبقي الحكم.
يقول الإمام الإسبيجابي: في بيان حكم البلدان التي استولى عليها الكفار: «وقد تقرر أن بقاء شيء من العلة يبقي الحكم وقد حكمنا بلا خلاف بأن هذه الديار قبل استيلاء التتار عليها كانت من ديار الإسلام وأنه بعد الاستيلاء عليها بقيت شعائر الإسلام كالأذان والجمع والجماعات وغيرها فتبقى دار إسلام» .
ويقول بعض فقهاء الحنفية: «إذا وجدت الشرائط كلها أصبحت دار حرب وعند تعارض الدلائل أو الشرائط فإنه يبقى ما كان على ما كان أو يترجح جانب الإسلام احتياطًا» .
أيضًا هذا الحكم وهو التثبت وعدم الحكم على الدار المسلمة بالتحول إلا بعد زوال أهم وأبرز علامات الدين هذا له نظير في الشرع وهو التفريق بين الكافر الأصلي و الكافر المرتد إذ لا يحكم في الشرع على مسلم بالردة إلا بعد اكتمال البينات وقيام الشواهد واستنفاذ وسائل الاستتابة».
يعني مسألة خلع الوصف عما هو عليه شيء صعب جدًا، ففرق بين الكافر الأصلي - وهو الذي لم يدخل في دين الإسلام- والمرتد يكون في الحكم عليه تدقيق شديد فلا يحكم عليه بالردة إلا بعد استنفاذ الوسائل في استتابته من إزالة الشبهة عنه والتحقيق معه التضييق عليه وتهديده بأن يقام عليه حد الله ? في المرتد فلا يحكم على أحد بالردة بسهولة بل لا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
يبقى الكلام في بعض الدقائق المهمة المتعلقة بهذا الموضوع بعدما ذكرنا هذا العرض الموجز لقضية الديار:
أول هذه التنبيهات وهذا قد ذكرناه باختصار في الأسبوع الماضي:
أن مسألة التفريق بين الدور مسألة محدثة ليس لها مستند بين في النصوص وأن تقسيم البلاد إلى دور إسلام ودور حرب إنما هو من وضع الفقهاء في عصر التدوين لأسباب سنذكرها إن شاء الله تعالى.
(يُتْبَعُ)