ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [13 - Mar-2009, صباحًا 11:35] ـ
هذه إضافة أخرى في الموضوع:
يقول الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله في كتابه"مراتب الإجماع": (واتفقوا على تسمية اليهود والنصارى كفارًا، واختلفوا في تسميتهم مشركين، واتفقوا أن من عداهم من أهل الحرب يسمون مشركين) إهـ.
وقد فصل ابن حزم هذه المسالة في كتابه (الفصل في الملل والاهواء والنحل) .
فقال رحمه الله:(واختلف الناس في الكفر والشرك، فقالت طائفة: هي اسمان واقعان على معنيين، وإن كل شرك كفر وليس كل كفر شركًا، وقال هؤلاء: لا شرك إلا قول من جعل لله شريكًا، قال هؤلاء: اليهود والنصارى كفارًا لا مشركون، وسائر الملل كفار مشركون، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
وقال آخرون: الكفر والشرك سواء، وأن كل كافر فهو مشرك، وكل مشرك فهو كافر، وهو قول الشافعي وغيره.
قال أبو محمد: واحتجت الطائفة الأولى بقول الله عز وجل:"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين".
قالوا: ففرق الله تعالى بين الكفار والمشركين، وقالوا لفظة الشرك مأخوذة من الشريك، فمن لم يجعل الله تعالى شريكًا فليس مشركًا.
قال أبو محمد: هذه عمدة حجتهم ما نعلم لهم حجة غير هاتين.
قال أبو محمد: أما احتجاجهم بقول الله عز وجل:"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين"فلو لم يأت في هذا المعنى غير هذا المعنى غير هذه الآية لكانت حجتهم ظاهرة، لكن الذي أنزل هذه الآية هو القائل:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحدًا"، وقال تعالى:"يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله"، وقال تعالى عنهم أنهم قالوا: أن الله ثالث ثلاثة، وهذا كله تشريك ظاهر لإخفائه فإذ قد صح الشرك والتشريك في القرآن من اليهود والنصارى فقد صح أنهم مشركون، وأن الشرك والكفر اسمان لمعنى واحد.
وقد قلنا أن التسمية لله عز وجل لا لنا، فإذ ذلك كذلك فقد صح أن قوله تعالى:"الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين"، كقوله تعالى:"إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا"، ولا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن المنافقين كفار، وكقوله تعالى:"قل من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين"ولا خلاف في أن جبريل وميكائيل من جملة الملائكة وكقوله تعالى:"فيها فاكهة ونخل ورمان"والرمان الرمان من الفاكهة.
والقرآن نزل بلغة العرب، والعرب تعيد الشيء باسمه وإن كانت قد أجملت ذكره تأكيدًا لأمره، فبطل تعلق من تعلق بتفريق الله تعالى بين الكفار والمشركين في اللفظ وبالله تعالى التوفيق.
وأما احتجاجهم: بأن لفظ الشرك مأخوذ من الشريك، فقد قلنا أن التسمية لله عز وجل لا لأحد دونه، وله تعالى أن يوقع أي أسم شاء على أي مسمى شاء، برهان ذلك أن من أشرك بين عبدين له في عمل ما أو بين اثنين في هبة وهبها لهما فإنه لا يطلق عليه اسم مشرك، ولا يحل أن يقال: أن فلانًا أشرك، ولا أن عمله شرك، فصح أنها لفظة منقولة أيضًا عن موضوعها في اللغة. كما أن الكفر لفظة منقولة أيضًا عن موضوعها إلى ما أوقعها الله تعالى عليه.
والتعجب من أهل هذه المقالة، وقولهم: أن النصارى ليسوا مشركين، وشركهم أظهر وأشهر من أن يجهله أحد لأنهم يقولون كلهم بعبادة الأب، والابن، وروح القدس، وأن المسيح إله حق، ثم يجعلون البراهمة مشركين وهم لا يقرون إلا بالله وحده ولقد كان يلزم أهل هذه المقالة أن لا يجعلوا كافرًا إلا من جحد الله تعالى فقط، فإن قال قائل: كيف اتخذ اليهود والنصارى أربابًا من دون الله وهم ينكرون هذا؟.
قلنا وبالله تعالى التوفيق: أن التسمية لله عز وجل، فما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم ويحلون ما أحلوا كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة قد دانوا بها، وسمى الله تعالى هذا العمل باتخاذ أرباب من دون الله وعبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف، كما سمي كفرهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي ناسخ لما هم عليه كفر بالله عز وجل، وإن كانوا مصدقين به تعالى، لكن لما أحبط الله تعالى تصديقهم سقط حكمه جملة.
فإن قالوا: كيف تقولون أن الكفار مصدقون بالله تعالى، والله تعالى يقول:"لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى".
ويقول تعالى:"وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم".
قلنا وبالله تعالى نتأيد: إن كل من خرج إلى الكفر بوجه من الوجوه، فلا بد له من أن يكون مكذبًا بشيء مما لا يصح الإسلام إلا به، أو رد أمرًا من أمور الله عز وجل لا يصح الإسلام إلا به، فهو مكذب بذلك الشيء الذي رده أو كذب به، ولم يقل الله تعالى: الذي كذب بالله عز وجل، لكن قال:"كذب وتولى"، ولا قال تعالى: و أما إن كان من المكذبين بالله، وإنما قال تعالى:"من المكذبين الضالين"فقط، فمن كذب بأمر من أمور الله عز وجل لا يصح الإسلام إلا به، فهو مكذب على الإطلاق كما سماه الله تعالى، وإن كان مصدقًا لله تعالى وبمن صدق به .. ) إهـ الفصل في الملل والأهواء والنحل.
(يُتْبَعُ)