فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذا الاستقلال للسلفية الكويتية أمام النظام الحاكم لا نجده في السلفية اليمنية التي تعيد إنتاج الوهابية السعودية بشكل أو بآخر، وبفضل هذا الطابع اللاسياسي لم تشهد اليمن صداما بين سلفييه من جهة والنظام الحاكم من جهة أخرى كالذي شهدته سوريا وأدى إلى نفي معظم رموز السلفية السورية، إلا أن أرنو لينفان الباحث المتخصص في الحركات الدينية في سوريا يرى أن السياسة الخارجية الممانعة لسوريا تجاه أمريكا وإسرائيل تقيها هجمات السلفية الجهادية المخترقة، حسب بعض المصادر، من قبل الاستخبارات السورية.
ويتعرض عبد الله الترابي، الباحث بمعهد العلوم السياسية بباريس، لظروف نشأة المجموعات الجهادية في المغرب التي طالما اتسمت معارضتها الإسلامية بالطابع السلمي حتى وقوع هجمات الدار البيضاء في 2003، ووفقا للباحث، فقد شهدت الوهابية صعودا كبيرا في الثمانينيات بتشجيع من النظام الحاكم من أجل موازنة نفوذ المعارضة اليسارية، كما أن الظروف الاقتصادية لعبت دورا في ولادة السلفية - الجهادية في المغرب.
السلفية في فرنسا
القسم الثالث من الكتاب يتناول"ديناميكية السلفية في فرنسا"ويبدأ بالتشديد على الطابع المتنوع للإسلام في فرنسا والتنافس القائم بين التيارات المختلفة لزيادة حصتها من"سوق العرض الإسلامي".
هذا التنوع الكبير للإسلام الفرنسي يمكن تفسيره في ضوء عنصرين رئيسيين: الأول هو الانفتاح الكبير للإسلام الفرنسي على المؤثرات الخارجية، فالخلافات القائمة بين تيارات الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي تفرض نفسها على الحالة الإسلامية في فرنسا التي لم تطور بعد نموذجها الخاص، أما العنصر الثاني الذي يتيح لنا فهم هذه الفسيفساء هو أن الإسلام لم يعد مجرد موروث تقليدي يستقيه أبناء الجيل الثاني والثالث من آبائهم، فالأبحاث الميدانية تشير إلى أننا بصدد عملية"إعادة تشكيل فردانية للديني" ( of the religious resetting individualist) على يد الأجيال الجديدة.
ووفقا لمحمد الأدراوي، باحث الدكتوراه في معهد العلوم السياسية بباريس، فإن التيار الإسلامي الأوسع انتشارا في ضواحي المدن الكبرى كباريس وليون هو التيار السلفي، حيث يبلغ عدد منتسبيه 5000 مسلم، يشكل السلفيون الجهاديون أقلية ضئيلة بينهم لا يزيد عددها عن 100 ناشط، ويمكن تفسير ذلك الحضور القوي إلى الدور المتزايد لدول الخليج التي بدأت من ثمانينيات القرن الماضي بالتعهد بتأهيل وإعداد أئمة المساجد الفرنسية الذين يقومون بالتبشير بالسلفية حال عودتهم، كما أن السلفية تمنح منتسبيها شعورا"بالاصطفاء"والتفوق على باقي المجتمع، بل على المسلمين غير المنتسبين لهذا التيار كذلك.
ويميز الأدراوي بين أربعة نماذج من الإسلام تتعايش جنبا إلى جنب في الضواحي الفرنسية، النموذج الأول يتمثل في الهوية الإسلامية التقليدية أو"إسلام الآباء"الذي يركز على التواصل الاجتماعي والتضامن بين أبناء الجالية، النوع الثاني يتمحور حول الهوية"الإسلامية العلمانية"التي تحصر الدين في المجال الخاص وترفض أن يوظف الدين في التعبئة، النموذج الثالث من الإسلام يمثله من يدعون إلى هوية تجمع بين الدين والمواطنة ويطالبون بحضور الدين في المجال العام مع ما يمثله ذلك من تناقض جوهري مع التقليد السياسي العلماني في فرنسا، أما النموذج الرابع فيمثله السلفيون الذين يعرفون أنفسهم في حدود الهوية الإسلامية بشكل حصري، ويعتبرون أي محاولة للتقارب مع المجتمع الفرنسي ابتعادا عن تعاليم الدين.
ويقول الباحث إن الطابع اللاسياسي لسلفيي فرنسا يقتصر على عدم انتقاد ملوك دول الخليج أو التشكيك في شرعيتهم، في حين لا ينسحب ذلك على فرنسا، فلم يتورع سلفيو فرنسا مثلا عن وصف شيراك بعد إقرار قانون منع الحجاب في 2004 بأنه"طاغوت"، في حين ظل الملك عبد الله محصنا ضد أي انتقاد حتى حين وجه انتقادات لاذعة لحزب الله خلال حرب 2006.
الفصل الأخير في الكتاب يتناول ظاهرة هجرة سلفيي فرنسا"لدار الإسلام"، فاعتقال السلطات المصرية لعشرة رعايا فرنسيين في القاهرة عام 2006 بتهمة انتمائهم لشبكة إرهابية سلط الأضواء على هذه الظاهرة، ويحاول الباحث ريمون جاليت في البداية استكشاف الأسباب الكامنة وراء هذا"الخروج"، فيربطها بالتراث النبوي الشريف وبكتابات محمد نصر الدين الألباني في ثمانينيات القرن الماضي، كما يعزو تلك الهجرة أيضا إلى رغبة السلفيين المهاجرين في العيش في بيئة أكثر توافقا مع معتقداتهم الدينية وتوفير تعليم ديني لأبنائهم، أضف إلى ذلك معاناة المسلمين من ذوي الأصول العربية بسبب عدم ذوبانهم بشكل كامل في المجتمع الفرنسي وتفشي الإسلاموفوبيا.
ويرى الباحث أن ظاهرة هجرة السلفيين من فرنسا تعد اعترافا من قبل السلفيين الفرنسيين باستحالة تحقيق حلم أسلمة أوروبا الحاضر بقوة في أدبيات الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ، فتبدد ذلك الحلم الطوباي فتح الباب أمام الرغبة في ترك دار الكفر طواعية واللجوء لدار الإسلام.
ثم ينتقل الباحث للأسباب التي تدفع هؤلاء المهاجرين لاختيار مصر بالذات دون غيرها من الدول المسلمة، وتتلخص تلك الأسباب في سهولة الحصول على تصريح الإقامة وتوافر مراكز تعليم الإسلام المصممة للجمهور الفرانكفوني، ومرونة نظام تلك المدارس، بالإضافة طبعا إلى انخفاض تكاليف المعيشة في مصر مقارنة مع غيرها من الدول المجاورة، ويبلغ عدد"المهاجرين"السلفيين في مصر، وفقا لمصدر دبلوماسي فرنسي، 500 شخص، وهو ما يمثل 10% من إجمالي الجالية الفرنسية في مصر، كما يعرض الباحث لعدة نماذج من هؤلاء المهاجرين.
الكتاب قيم في مجمله، وإن كان يعيبه تفاوت مستوى الأبحاث المختلفة بالنظر إلى كونه كتابا جماعيا بالأساس.
(يُتْبَعُ)