فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
البشرية والاقتصادية والاستراتيجية.
إن مسألة قيام دولة إسلامية في السودان أمرٌ في غاية الخطورة في الحسابات الغربية والصهيونية، ومِن ثَمَّ كرَّس الغرب كل جهوده من أجل تفتيت هذا البلد، وسحقه قبل أن يقوم على أقدامه، ولقد اكتشفت أمريكا أن الأسلوب العسكري مكلف للغاية، سواءٌ كان بشريًّا أو ماديًّا، وأن حادث ضرب مصنع الشفاء في السودان سنة 1998 لا يمكن أن يكون وسيلة فعّالة لتحقيق المراد، وخاصةً أن السودان بلد ضخم جدًّا له حدود مع تسع دول مما يجعل مسألة حصاره صعبة للغاية، وخاصةً أيضًا أن السودان يُنَمِّي عَلاقته مع الصين وروسيا بشكل مطَّرد .. لذا آثرت أمريكا والغرب أن يقطِّعوا السودان إربًا بأيدي أبنائه، وأن يتناوب الساسة الأوربيون والأمريكان الحديث عن أزمة السودان حتى يصبح الأمر عالميًّا وليس أمريكيًّا، وأن يستخدموا الأساليب القانونية والدبلوماسية والاقتصادية، بل والإغاثية الإنسانية لتحقيق الهدف المنشود، وهو تفتيت السودان إلى عِدَّة ولايات صغيرة يدين معظمها بالولاء للصهاينة وللغرب! خاصةً وأن العالم العربي والإسلامي يَغُطُّ في سباتٍ عميق، ويرى كل هذه الأحداث دون أن يفهمها، أو لعلَّه يفهم ولا يريد أن يتحرك!
كانت البداية أن وقف الصهاينة والغرب بقوَّة مع جنوب السودان يؤيِّدون انفصاله من السودان الأم، وتعاونوا بشكل صريح مع جون جارانج زعيم ما يسمَّى بجبهة تحرير السودان الذي خاض حروبًا أهلية دامية مع الحكومة السودانية، وكان الغرب مؤيِّدًا له بقوة، خاصةً أن جنوب السودان به أكثر من 80% من بترول السودان، وانتهى الأمر - للأسف الشديد - في سنة 2005 بما سُمِّي باتفاق السلام الشامل (اتفاق ماشاكوس) ، والذي يعطي السكان في جنوب السودان الحق في التصويت لتقرير المصير سنة 2011، ومِن ثَمَّ فستُعرض مسألة فصل جنوب السودان عن دولة السودان لرأي سكان المنطقة، والذين سيصوِّتون بلا جدال إلى قرار الفصل، خاصةً أن الأغلبية في مناطق الجنوب للوثنيين والنصارى، وخاصةً أيضًا أن الغرب واليهود يؤيدون ويباركون، وليس مستغربًا أن يتحوَّل جنوب السودان إلى دولة قوية جدًّا في المنطقة .. بها بترول، وتتحكم في منابع النيل، وتحظى بتأييد أمريكا والغرب واليهود، ومِن ثَم تُصبِح دولة في منتهى الخطورة على الإسلام تحاصره من الجنوب، وتمنع انتشاره في القارة السمراء، وتمثِّل حارسًا أمينًا للمطامع الصهيونية والغربية والأمريكية.
حدث كل هذا في ظل صمت عربي وإسلامي مُخْزٍ، وتخلَّى العرب والمسلمون عن السودان في هذه الاتفاقات والمفاوضات؛ فجلس وحيدًا أمام وحوش العالم حتى وصلوا إلى هذه النتيجة التي تمثِّل تهديدًا صارخًا لا للسودان وحده، ولكن للعالم الإسلامي بكامله، وفي مقدمته مصر التي سيتم تركيعها تمامًا بعد الإمساك بشريان النيل!
ثم فتح الغرب ملفًا جديدًا خطيرًا، وهو ملف دارفور في غرب السودان، فما المانع في فصله هو الآخر، خاصةً وأنه يمتلك مخزونًا كبيرًا من البترول واليورانيوم، فوصل الغرب - للأسف الشديد - إلى بعض المسلمين الذين يرغبون في زعامة ومنصب في دارفور، وتَمَّ التعاون معهم للقيام بحركات تمرد في دارفور مدعومين بالأمريكان والصهاينة، وهؤلاء يُنادون بفصل دارفور عن السودان ليصبح دولة علمانية - كما ينادي المتمردون - تفصل الدين تمامًا عن الدولة ..
ودخل الغرب بثقله مع هذا المشروع الانفصالي، وقادوا حملات إعلامية واسعة النطاق للترويج لهذا الفصل، وأرسلوا عددًا كبيرًا من الهيئات الإغاثية بهدف توجيه شعب دارفور إلى الولاء للغرب، وهذا في ظل غياب إسلامي كبير عن الساحة السودانية ..
ونادى الغرب في حملات متكررة بعزل الرئيس عمر البشير صاحب التوجُّه الإسلامي وحافظ القرآن الكريم، والمتمتع بتأييد قطاع كبير من الشعب السوداني، والمقبول بقوَّة عند كثيرٍ من علماء الأمة في السودان وخارجها، طالبوا بعزله عن قيادة السودان، وإنشاء سودان جديد علماني .. وأثاروا بالتالي قضايا جرائم الحرب - كما يقولون - وأن هناك تطهيرًا عرقيًّا في دارفور ..
(يُتْبَعُ)