فهرس الكتاب

الصفحة 16155 من 28557

رغم أن الطرح السلفي هو أكثر الأطروحات مخاصمة للقانون الوضعي وللقومية في آن واحد، ورغم الفتاوى الكثيرة القديمة والمعاصرة في أن تحكيم القوانين الوضعية كفر؛ إلا أن السلفيين ضمُّوا إلى ذلك مراعاة الشبهات المثارة في هذه القضية، مما منعهم أن يكفروا الذين يحكمون بالقوانين الوضعية أو الذين ينادون بالقومية أو الوطنية علينا طالما وُجدت لديهم الشبهات التي ظنوا معها أن هذا الأمر لا يخالف الإسلام، كما أن هذا الطرح يؤصل إلى أن البراءة التامة من الكفار الأصليين الذين هم كفار نوعًا وعينًا.

وعلى الجانب الآخر ولأن ساسة الغرب الذين أسسوا حضارته الحالية كلهم قد تخرجوا على كتاب"الأمير"لميكافيللى؛ فمبدؤهم أنه لا مبدأ، وأخلاقهم ألا أخلاق، والدين والسياسة -عندهم- ضدان، ومن ثمَّ ففي ذات الوقت الذي كان الغرب يصفق فيه لكل حاكم يخطو خطوة نحو الوطنية؛ كانت هناك أيادٍ خفية تنبش وتقلب في الخطوة القادمة من التمزيق، وساعدهم على ذلك حرية الحركة التي كانت متاحة بين بلاد المسلمين في ظل الخلافة الإسلامية، حتى لرعاياها من غير المسلمين، فالأكراد كقومية مقسَّمون في مناطق متفرقة من"إيران"و"العراق"و"تركيا"و"سوريا"، والعرب في كل بقاع العالم الإسلامي، حتى البقاع التي يختلف مناخها اختلافا كبيرًا عن البيئة العربية الأصلية كـ"بلاد السودان"وغيرها.

فضلًا عن المسلمين الأوائل من"الأقباط"و"الأتراك"و"الأكراد"و"البربر"و"الزنوج"؛ فكثير منهم تعلم اللغة العربية وأتقنها وحدث تزاوج بينهم وبين العرب، بحيث أصبح هؤلاء لا يعرفون إلا أنهم مسلمون عرب بحكم إتقانهم للغة العربية، وهو أمر كان في بادئ الأمر مما يتطلع إليه كل مسلم، ليس من باب خضوعهم للعرب؛ ولكن من باب خضوعهم للإسلام، ومنهم من ساد أهل الإسلام حتى عظمهم العرب، وحملوهم فوق رؤوسهم؛ ألا ترى إلى تعظيم المسلمين عامتهم وخاصتهم للبخاري ومسلم وهما من العجم؟!

الحاصل أنه وتحت مظلة الدول القومية وفي غياب روح الولاء الإسلامية لعبت أيدي الغرب في عقول ثوريين جدد من"الأكراد"و"الزنوج"و"البربر"، فمن كان منهم يدين بغير الإسلام فقد خلع برقع الحياء تمامًا، وربما حمل السلاح في وجه دولته القومية كما في"جنوب السودان"، وأما من يدين منهم بالإسلام فقد كانت الدعوة في أوساطهم تتردد على استحياء إلى أن جاءت"أمريكا"بجيوشها إلى المنطقة، فشجعتهم على خلع برقع الحياء أيضًا.

لقد خجلت"أمريكا"من نفسها بعد نصف قرن من تولي قيادة العالم الغربي خلفا لـ"إنجلترا"ألا تقدم جديدًا سوى الحفاظ على الإنجازات الإنجليزية الفرنسية من تفتيت دولة"الخلافة الإسلامية"إلى الوضع التي هي عليه الآن، فأعدَّت العدة لكي تعيد تفتيت الدول الإسلامية"القومية"إلى دويلات أصغر، وبنفس النظرية القومية، فشجعت الروح القومية لدى"الأكراد"في كل الدول التي يعيشون فيها، ومنها"تركيا"و"العراق"، وشجعت الروح القومية لدى"الزنج"و"البربر"الذين لم يظهروا على الخارطة الدولية إلا لما أعزَّهم الله بالإسلام.

وإن كانت مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:"إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العز في غيره أذلنا الله"منطبقة على العرب؛ فهي على"الزنج"و"البربر"اشد انطباقًا، حتى إن الأوربيين والأمريكان الذين يمدون الآن أيدي الصداقة لهذه الأجناس كانوا يرون أن الله لم يخلق هؤلاء على الهيئة التي خلقهم عليها إلا لكي يعلموا أنهم خلقوا لكي يكونوا عبيدًا للإنسان الأبيض.

وأضافت"أمريكا"إلى تلك الروح القومية ما أسمته بالاضطهاد الديني، وهو ذريعة قديمة استخدمتها"روسيا القيصرية الأرثوذكسية"و"فرنسا الكاثوليكية"في حروبهم ضد"الدولة العثمانية"، ومغازلتهم للأقليات الدينية لكي يساعدوهم في عدوانهم وقد كان.

وفي ذات الوقت كان المفكرون الأمريكان قد انتهوا من تدشين ما سموه بـ"العولمة"، والتي تعني أن يتحول جميع حكام العالم إلى مندوبين أمريكان على غرار"المندوب السامي البريطاني"في أواخر عصر الاحتلال، والتي كانت تسمى تجملًا بالانتداب.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت