فهرس الكتاب

الصفحة 16159 من 28557

لكن هذه الأمور التي يقررها الإنسان قد سبق في علم الله تعالى على أي وجه ستكون، فالإنسان لا يعلم سيتزوج مَنْ في دنياه قبل الزواج، ولكن الله يعلم مِنْ قبل أن يخلق الإنسان مَن ستكون زوجته، فعلم الله يُحيط بهذا كله، وقد أودع الله في كتابه المحفوظ كلّ أفعال العباد واختياراتهم وآمالهم وآلامهم وديانتهم وغير ذلك، وليس معنى هذا أنه أجبرهم على هذه الأمور، ولكنه سبحانه وتعالى علمَ بعلمه المحيط دقائق هذه الأمور قبل أن تق, وهذا ما تجلى في قوله تعالى:

مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ

ولتقريب هذا المعنى نضرب هذا المثال: بينما يجلس أحد الآباء مع أولاده إذا بصديقه يطرق عليه الباب، فأراد الأب أن يصرف أولاده ليصفو له الجو مع صديقه، فأعطى لكل ولد من أولاده دينارا ليتفرقوا من حوله، وأعطاهم حرية التصرف في هذه الأموال. ثم أقبل الرجل إلى صديقه يحدثه فقال له: أنا أعلم تحديدا ماذا سيفعل كل ولد بما معه من مال، فقال له وماذا سيفعلون؟ فقال: أما الأكبر فإنه سيدخر ديناره ولن ينفق منه شيئا مهما كثرت المغريات أمامه، وأما الأوسط فإنه سيتصدق به، ولن يأخذ منه شيئا لنفسه، وأما الأصغر فإنه سيشتري به حلوى نوعها كذا.

وبينما هما كذلك إذ أقبل الأولاد الثلاثة، وقد صنع كل واحد منهم مثلما أخبر عنه أبوه وكأنما كانوا ينفذون خطة مدروسة، أو صفقة محكمة، فتعجب الصديق، فقال له الأب: إنهم أولادي وأنا أعلم بهم. ولله المثل الأعلى, فاذا كان الأب قد علم ما سيفعله أولاده بالنقود من خلال تربيته لهم, فكيف بخالق الوجود وما يدبّ عليه؟ ولأنّ الله تبارك تعالى يعلم من عباده ماذا سيفعلون, فقد كتب لهم ذلك كله في كتابٍ لا يضلُّ ربي ولا ينسى سبحانه وتعالى علام الغيوب, ولذا فتأتي أفعالهم على وفق المكتوب تماما , وفق ما كتبه الله لهم, وكأنهم يؤدون أدوارا في تمثيلية مكتوبة.

وأورد الامام الحافظ أبو يعلي في مسنده عن عبد الله بن عمر عن ابيه عمر رضي الله عنهما قال: لما نزلت: فمنهم شقي وسعيد, قلت يا رسول الله! علام نعمل؟ على شيءٍ قدْ فُرٍغَ منهُ؟ ام على شيءٍ لم نفرغَ منهُ؟ فقال صلوت الله وسلامه عليه: على شيءٍ قد فُرغَ منهُ, وجرتْ به الأقلامُ , ولكنْ كلُّ ميسَّرٌ لما خُلقَ لهُ

أي ان كان من أهل السعادة فيُيَسَّرُ الى عمَلِ أهل السعادة, وانْ كان من أهلِ الشقاوة فُيَيسّرُالى عملِ أهل الشقاوة

نعم انّ كل نفس بشرية يخلقها الله عزوجل يُكنبُ لها منذ ولادتها ان كانت سعيدة أم شقية, ان كانت من أهل الجنة ام من اهل النار, ولكن ليس كما نفهمها نحن بمفهومنا المحدود, بل بمفهوم الحكمة الالهية كما في قوله تعالى: يعلمُ ما بين أيديهمْ وما خلفَهمْ, ولا يُحيطونَ بشيءٍ مِنْ عِلمهِ الا بما شاءَ, وسِعَ كرسيُّهُ السمواتِ والأرضِ, ولا يَؤودهُ حفظُهُما وهوَ العليُّ العظيم

, وان فهمنا قوله تعالى فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيد على مفهومنا المحدود, فهذا يعني أن نتوقف عن العبادة والعمل, اذ طالما أنّ كل واحد منا بات معروف على أنه سيدخل الجنة أم سيدخل النار, كما في سؤال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم فيم العمل؟ أي لمَ نعمل طالما مصيرنا منذ الولادة قد تحدد؟ ولكنّ اذا علمنا أنّ الله تعالى قد قدّرَ أعمال العباد قبل أن يخلقُ السموات والأرض ب 50 ألف سنة عندها نقول قوله تعالى: سبحانك ربنا لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت علام الغيوب

انّ هذا المفهوم المحدود لعقولنا ان أخذنا به فانه يكون وللأسف الشديد من الخطر والخطأ في أن نظن مثل هذا الظن

انّ هذا الظن الخطأ الذي دخل علينا في فهم الاسلام الفهم الصحيح, وهذا التساؤل بعينه كان قد سأله الى جانب عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم سراقة بن مالك بن جعشم رضي الله عنه, ففي رواية عن الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بقيع الغرقد يدفن جنازة وكان معه عود فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينكث العود بالأرض بهذا العود وهو يقول: ما من نفس منفوسة الا كتب مقعدها من الجنة او مقعدها من النار ... وكما في صحيح مسلم أن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال: يا رسول

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت