ولنتعلم حسن الظن بالله تعالى، فنحن نقدم أعمالا صالحة تثقل ميزاننا يوم العرض عليه، ونرجو أولا و أخيرًا رحمته عز وجل. اللهم ارحمنا اللهم ارحم ضعفنا واجبر كسرنا وتولنا برحمتك يوم الوقوف بين يديك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رحمنا الله وإياكم وسهل لنا طريق الجنة ووقانا من عذاب النار، ما أحوجنا أن نعرف ربنا كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو سبحانه رحيم بعباده ورحمته أكبر من رحمة الأم بولدها. وحاشاه أن يعذب من لا يستحق العذاب، وهو سبحانه عز وجل عادل وغير ظالم لعباده.
وعلى ضوء ما تقدّم بما يسّره الله لنا من علمه الذي لا ينضب ومن شرح على قدَرِ فهمنا المحدود جدا, ومما أفاد به الشيوخ الأفاضل رحمهم الله أحياء وأمواتا, نقول: إن كل ما يجري في هذا الكون كبيره وصغيره ودقيقه انما يجري بقضاء الله تعالى وقدره وبسبق علمه سبحانه وتعالى به في سابق أزله، تماما كما قال الله تعالى في سورة القمر 49: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وكقوله تعالى في سورة: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الطويل الذي نذكر منه ما يبيّن لنا ما نحن بصدده: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة
وفي سنن أبي داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أول ما خلق القلم، فقال له اكتب، قال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة.
وفي حديث مسلم رحمه الله: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس.
ويدخل في عموم شيء أفعال العباد، وهي تشمل حركاتهم وأفكارهم واختيارهم فكل ما يعمله الإنسان أو يحصل من خير أو شر فهو مقدر قبل مولده بمئات الالاف من السنين
ومع ذلك فقد جعل الله تبارك وتعالى للعبد اختيارا ومشيئة وإرادة بها يختار طريق الخير أو الشر، وبها يفعل ما يريد، وعلى أساسها يُحاسب على أفعاله التي اختارها لنفسه لأنها أفعاله حقيقة، ولذلك فالاختيار مع وجود العقل وعدم الإكراه هو مناط التكليف إذا فُقِد ارتفع التكليف. ومن رحمة الله تعالى بعباده أنه إذا سُلب ما وهب أسقط ما أوجب.
ومما يدل على خلق الله لأفعال العباد قوله تعالى في سورة الصافات 96: وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وفي الحديث الذي رواه الحاكم والذهبي وصححه الألباني قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله خالق كل صانع وصنعته. .
فقد أثبت في الآيتين أن لهم عملا ومشيئة وأسندهما إليهم وأثبت أنهما من خلق الله. وعلى هذه المشيئة والعمل الذي يفعله العبد باختياره يُحاسب العبد ويجازى ويسامح فيما فعله من دون قصد أو كان مضطرا إليه، وذلك أن الله خلق الإنسان وأعطاه إرادة ومشيئة وقدرة واستطاعة واختيارا، وجعل فيه قابلية الخير والشر. كقوله تعالى في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.
وكقوله تعالى في سورة المائدة 34 إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ .. وكقوله تعالى في سورة آل عمران 79: فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وكقوله تعالى في سورة آل عمران 145: وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا
وكقوله تعالى في سورة الانسان والمزمل: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا: وروى البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده.
(يُتْبَعُ)