فهرس الكتاب

الصفحة 16315 من 28557

الكتاب والسنة، بل إنه ضرب صفحًا من النصوص زاعمًا بأنها لا تفيد اليقين متأثرًا بفكرة المعتزلة166. قال البيهقي:"ولم يكن في خلفاء بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف، ومنهاجهم، فلما تولى المأمون الخلافة اجتمع به هؤلاء المعتزلة فحملوه على نفي الصفات والقول بخلق القرآن"اهـ. وكل الذين تحدثوا عن المحنة يتفق كلامهم بأن الخليفة المأمون أتِيَ مِنْ قِبَلِ بطانة السوء، من أئمة الاعتزال، وتورط في مشكلة هزت خلافته لأنه لم يأخذ الأمر بِرَويّة وحكمة لحل المشلكة، وهي مشكلة يحلها العلماء بالمناقشة والحوار الحر، ومقارعة الدليل بالدليل، بل نصب نفسه داعية لا يرد له قول، ولا يعصى له أمر مستغلًا في ذلك سلطانه العريض. وفي عام 218هـ كتب المأمون إلى نائبه وواليه ببغداد (إسحاق بن إبراهيم بن مصعب) يأمره أن يدعو الناس إلى القول (بخلق القرآن) هكذا بهذه الجرأة ودون مقدمة أو تمهيد. ولم يسع الوالي إلا الامتثال فجمع مجموعة من أئمة الحديث، وبعض القضاة والفقهاء، فدعاهم إلى ذلك القول الخطير، فامتنعوا فأخذ يتهددهم بالضرب وقطع المرتبات بالنسبة للموظفين منهم، فأقر كثير منهم مكرهين، وأصر على الامتناع جماعة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل الذي صمد في موقفه لم يزعزعه التعذيب، ولم تأخذ بقلبه تلك الفتنة، ولم يبال بسلطان الخليفة وما يملكة من أنواع التعذيب، ويذكر بعض من ترجم له أن الخليفة المأمون توفي (بطرسوس) قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، وهو محمول إليه، ثم رد إلى بغداد، واستمر الامتحان أمام المعتصم ثم الواثق ثم بقي الإمام بعد موت الخلفاء الثلاث، وقد ماتت معهم المحنة، وبقي الإمام بعدهم لنشر السنة التي عذب من أجلها وليرفع صوته بنصوص الصفات من جديد، وقد أتى الله بالفرج في عهد (المتوكل) وقضى بذلك على بقية البدعة ولذلك لقبه أهل عصره (ناصر السنة وقامع البدعة) فاستحق لقب (إمام أهل السنة) وقد ساعده الخليفة المتوكل الذي أعلن برفع (المحنة) وأمر بنشر أحاديث الصفات بما في ذلك صفة الكلام، التي هي بيت القصيد في الموضوع. وبمناسبة انتشار آراء أهل البدع، صرح الإمام أحمد وأوضح موقفه من نصوص الصفات فيما يرويه ابنه عبد الله بن أحمد، ومن ذلك قوله رحمه الله:"هذه الأحاديث نرويها كما جاءت"، وقوله:"إن ما يرجع إلى عالم الغيب لا ينبغي الخوض فيه، وإنما نفوض أمره إلى الله". ومن كلامه:"من صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة إرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله"، كما جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:"إن أهل الجنة يرون ربهم"، فيصدقها ولا يضرب لها الأمثال، ووقف الإمام من أهل الكلام موقفًا معارضًا فقال:"لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذَبّوا عن السنة"، وقال أحمد:"صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: من شهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأقر بجميع ما جاءت به الأنبياء والرسل. وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه ولم يشك في إيمانه ولم يكفر أحدًا من أهل التوحيد بذنب. وأرجأ من غاب عنه من الأمور إلى الله. وفوض أمره إلى الله"... الخ. وقد عدد الإمام صفات كثيرة يرى أنها من صفات أهل السنة والجماعة لئلا يلتبس الأمر على من يريد معرفتهم ويميز بينهم وبين أهل البدع الذين يتصفون عادة بأضداد هذه الصفات. وإذا ما تحدثنا عن المحنة وصبر الإمام أحمد فيها يَجْدُرُ بنا أن نذكر نموذجًا من أسئلة الامتحان ليتصور القارئ صورة المحنة ولو بعض التصور، والي بغداد يسأل والإمام أحمد يجيب: إسحاق: ما تقول في القرآن؟ الإمام أحمد: هو كلام الله. إسحاق: أمخلوق هو؟ الإمام أحمد: هو كلام الله لا أزيد على هذا. إسحاق: ما معنى أنه تعالى سميع بصير؟ الإمام أحمد: هو كما وصف نفسه. هذه بعض الأسئلة التي يوجهها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب والي بغداد الذي كلف من طرف المأمون بامتحان العلماء وشيوخ الحديث والسنة، وقد ثبت الإمام أحمد أمامها ونجح في الامتحان نجاحًا نال به أعلى (وسام) يناله عالم سلفي وهو (وسام الإمامة) إذ لقبه أهل عصره العارفون بموقفه لمعرفتهم كيف أبقى الله بع على العقيدة بصبره وثباته (بإمام أهل السنة وقامع البدعة) . هكذا نوجز ترجمة هذا الإمام اقتصارًا على ما يتلاءم وبحثنا، رحمه الله وجزاه عن السنة وأهلها خير الجزاء. وقد خلف

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت