فهرس الكتاب

الصفحة 16316 من 28557

الإمام أحمد للمكتبة الإسلامية كتبًا ورسائل كثيرة ونافعة، ومن أبرزها (مسند الإمام) المعروف، الذي تغني شهرته عن التعريف وله كتابه الفريد الذي كتبه ردًا على الزنادقة والجهمية إذ يعتبر من أهم ما كتب في مجاله، وقد ناقش فيه الإمام المشككين في القرآن الذين يتأولونه على خلاف ظاهره، وقد دافع الإمام في هذا الكتاب عن المنهج السلفي خير دفاع، فجزاه الله خير ما جازى به المجاهدين. مواقف الإمام وبعد أن استعرضنا نبذة من حياة الإمام أحمد واستعرضنا أيضًا طرفًا من المحنة، وما جرى بينه وبين خصومه في مشكلة خلق القرآن، فلنسمع صوت الإمام وهو في حوار (حيّ) مع الجهمية حيث يدافع عما يعتقده السلف في صفات الله، فلنأخذ مقتطفات من كلامه في مبحث الرؤية، وصفة العلو، والمعية فتعال بنا لنحضر الحوار ثم لنستمع إليه بقلب حاضر وكأنك تسمع الصورة الصوتية للإمام وهو يناقش بأسلوبه الخاص ولغته القوية. وقد بوب الإمام لكل موضوع يجري فيه الحوار إذ يقول مثلًا: بيان ما جحدت الجهمية من قول الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 167، قال الإمام أحمد رحمه الله: فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟! فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه لأن المنظور إليه معلوم موصوف. لا يرى إلا شيء يفعله. فقلنا: أليس الله يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، قالوا: إن معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 168، أنها تنظر169 الثواب من ربها وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته، وتلوا آية من القرآن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} 170، فقالوا: إنه حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ} ، إنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى ألم ترَ إلى فعل ربك، فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، فقالوا: إنما تنظر الثواب من ربها، فقلنا: إنها مع من تنظر الثواب هي ترى ربها. فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قوله الله جل ثناؤه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} 171، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف معنى قول الله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، وقال:"إنكم سترون ربكم"172، وقال الله لموسى: {لَن تَرَانِي} ، ولم يقل: لأن أرى، فأيهما أولى أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:"إنكم سترون ربكم"أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟! والأحاديث بأيدي أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم. وبعد: إنّ القارئ يدرك أن الإمام يشير إلى أن الإدراك المنفي في قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، أمر زائد على الرؤية وهذا المعنى في غاية الوضوح، لأن العباد عندما يرون ربهم لا يدركونه أو لا يحيطون به، كما أنهم يعلمون ربهم ويؤمنون به، ولا يحيطون به علمًا ومعرفة، وقد يتصور هذا المعنى حتى في مخلوق من مخلوقات الله تعالى. فمثلًا إنك ترى الشمس دون شك، وهي في ضحى النهار ولكن لا تحيط بها إحاطة من كل وجه، وهي خلق من خلق الله تعالى ولله المثل الأعلى، فلا غرابة في إثبات الرؤية من مجموع الآيات والأحاديث مع نفي الإدراك، كما نفت آية سورة الأنعام {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} . والله أعلم. فلنعد إلى سماع الحوار مرة أخرى في الموضوع نفسه، حيث يقول الإمام أحمد رحمه الله: وحديث سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد في قوله الله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} 173. قال: النظر إلى وجه الله: ومن حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إنّ الله قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله لا إله إلا هو. ثم قال الإمام: وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} 174، فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ والحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع ولم يجعلنا ممن ابتدع

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت