والحمد لله وحده175. هكذا رأينا كيف كان الإمام أحمد يدافع عن منهج أهل السنة والجماعة، في هذا الباب الخطير الذي ضل فيه كثير من المتأخرين ممن وقعوا فريسة لآراء أهل الكلام من الجهمية وشيعتهم، ولعل القارئ أدرك من طريق الحوار أن شيوخ الحديث وأئمة السنة يجيدون طريقة الاستدلال بالنصوص بأسلوب استنباطي ومنطقي دقيق. وليس الأمر كما يزعم خصومهم من أنهم (نَصِيّون) يحفظون النصوص، وليسوا بعقليين، أي لا يعمدون إلى ذكر الأدلة العقلية، بل لا يزيدون على سرد النصوص فقط. ولو سايرنا الإمام إلى آخر حواره الطويل، لرأينا كيف يضرب الأمثال التي تقرب المعاني إلى الأذهان، وتعين على الفهم. فلنسمع مثلًا إلى هذا النموذج من كلام الإمام وهو يفسر قوله تعالى: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} 176، يقول الإمام رحمه الله: وإنما معنى قوله: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} يقول: وهو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان. ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. وذلك قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} 177. ثم قال الإمام رحمه الله: ومن الاعتبار178 في ذلك لو أن رجلًا كان في يده قدح من (قوارير) صاف وفيه شراب صاف، كان يصير ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه، ثم قال خصلة179 أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وهو خارج كان بن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو، وما هو من غير أن يكون في شيء مما خلق180. هكذا يحلل الإمام معنى الآية ليقربه إلى أفهام القراء، وهكذا يفهم أئمة الحديث معاني النصوص مع القدرة على البيان الشافي والدقة في ضرب الأمثلة، ولله الحمد والمنة. بمثل هذا المثال وهذا التحليل نضرب في وجوه أرباب الكلام والمتفلسفة الذين يزعمون أن أئمة الحديث والسنة بمثابة الأميين الذين يرددون النصوص ولا يفقهون لها معنى. ولقد أثبت الأمام بهذا الحوار المؤيد بالأمثلة أن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وسيأتي لهاتين الصفتين مزيد بحث إن شاء الله عند الكلام على معاني الصفات في الأبواب اللاحقة. ب- أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بن إبراهيم الجعفي ولد - الإمام البخاري- كما يحدثنا المترجمون في بلدة (بخارى) من بلاد ما وراء النهر، قرب (سمرقند) ، وهذه المناطق تقع حاليًا تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي، والله المستعان. ويذكر المترجمون له أن الإمام ولد في 13 من شهر شوال لعام 194هـ من أسرة جمع الله لها بين الصلاح والتقى والثراء والعلم، وتوفي والده وهو لا يزال طفلًا وتولت أمه تربيته (وحَدبتْ) عليه ورعته خير رعاية، وقد حجت به أمه وهو صغير ثم تركته بمكة فرجعت إلى بخارى، فبقي الطفل بجوار بيت الله الحرام، ليطلب العلم ويجالس شيوخ الحديث والعلم، في الحرم الشريف، فأخذ العلم على أيدي شيوخ مشهورين في بلده وغير بلده، ويحدثنا الإمام نفسه أنه حفظ كتب ابن المبارك وكتب وكيع وهو ابن ست عشرة سنة181، ومن أشهر شيوخه إمام أهل السنة والجماعة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل كما يحدثنا الإمام البخاري أنه لقي أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وخراسان، وأخبرنا أنهم ما كانوا يختلفون في أن الدين أو الإيمان قول وعمل، وأن القرآن كلام الله، وقد زار الإمام البخاري بلدانًا كثيرة في طلب العلم، وتردد إلى بعض البلدان أن من مرة منها بغداد حيث يوجد شيخه الكبير الإمام أحمد بن حنبل. أما مكة فقد أقام بها ستة أعوام، وحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح182. وخرج كتابه (الجامع الصحيح) ، من نحو ستمائة ألف حديث. وصنفه في ستة عشر عامًا، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عند أهل العلم والمعرفة183. وللإمام البخاري كتاب مستقل ناقش فيه الجهمية في صفة الكلام والاستواء خاصة، وفي بقية الصفات عامة،
(يُتْبَعُ)