فهرس الكتاب

الصفحة 16318 من 28557

وأورد فيه كلام أهل العلم من شيوخه وغيرهم. موقف الإمام البخاري من الجهمية في صفة الاستواء والعلو يحكي البخاري عن عبد الله بن المبارك، وهو أحد مشايخه الكبار حيث يقول ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف تعرف ربك؟ قال: فوق سماواته على عرشه، وقال لرجل منهم: أتظنه خاليًا منه؟ فبهت الآخر. وقال من قال: (لا إله إلا هو) مخلوق، فهو كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية184. وقد ألف البخاري كتابًا سماه (خلق أفعال العباد) تحدث فيه عن القرآن الكريم، ورد فيه ما زعمت المعتزلة من أن القرآن مخلوق بأسلوب يشبه جدًا أسلوب شيخه الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله في رده على الزنادقة والجهمية. وقد قال البخاري في هذا الكتاب:"نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وأني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم"185. يقال إنه قد نسب إلى الإمام البخاري أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ولما سئل عن ذلك أجاب بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة. والامتحان بدعة186، وكان رحمه الله يكره التعمق والتنقيب عن النقاط الغامضة في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي تتعلق بالأسماء والصفات وأفعال العباد، بل يرى الاكتفاء بظاهر النصوص بعد فهمها على حد فهم السلف الصالح رحمهم الله، ومن أطلع على ما حققه في صحيحه في كتاب التوحيد وكتاب الدعوات وغيره في مسائل هذا الباب يدرك أنه من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الصالح الذي يجهله كثير من المتأخرين مع ثنائهم العاطر على السلف الصالح، يعرفونهم ويجهلون منهجهم، إنه تناقض غريب، (والله المستعان) . قال سعيد بن عامر187:"الجهمية أشر قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان على أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء". جـ- الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: وهو ذلك الأديب الفقيه والمحدث المعروف، وقد أخذ الحديث عن أئمة كالجبال في علوم الحديث مثل يحيى بن معين، وعلي بن المديني وأمثالهما. ويقول بعض من ترجم له إنه أخذ من شيوخ لا يعدون كثرة، وقد توفي هذا الإمام الفذ في بابه في سنة 280هـ ودفن ببلدة (هراة) 188، وقد ألف الإمام الدارمي كتابًا في الرد على الجهمية وصفه بعض أهل العلم بأنه من أقوى ما كتب في هذا الباب أسلوبًا ومن أمتنها حجة. ويكفي فخرًا لهذا الإمام، أن الإمام ابن تيمية كان يوصي بقراءة كتابين من كتبه وهما: 1 - كتاب الرد على الجهمية. 2 - كتاب النقض على بشر المريسي. ويصفهما بأنهما من أجل الكتب المصنفة في السنة، وأنفعها لكل طالب سنة، مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون. كما أثنى عليهما الإمام ابن القيم بمثل ثناء شيخه ابن تيمية، وفي الكتابين المذكورين تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما189. أما الكتاب الآخر فقد ألفه ليرد فيه على بعض أتباع بشر المريسي الذي كتب الرد على الإمام الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية) ، ثم رد الإمام بهذا الكتاب على شيخهم ورئيسهم بشر المريسي، وناقش فيه المريسي لا صاحب الكتاب لأن صاحب الكتاب كان يورد كلام المريسي وحججه ويستدل بها لأنه عمدته في الرد الذي كتبه. هكذا ذكروا، قال الإمام الدارمي في مطلع كتابه الذي رد فيه على المريسي: أما بعد، فقد عارض مذهبنا في الإنكار على الجهمية من بين ظهرانيهم معارض، وانتدب لنا منهم مناقض ينقض ما روينا فيهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفاسير المضل المريسي الجهمي ... الخ190اهـ. وقد ناقش الإمام الدارمي في هذا الكتاب المريسي خاصة وأهل الاعتزال عامة مناقشة حادة ومفحمة في تأويلاتهم وتلاعبهم بالنصوص. فعقد بابًا في أسماء الله وأوضح أنها غير مخلوقة كما عقد بابًا خاصًا في صفة النزول، فأجاد فيه وأفاد، وبابًا آخر في مبحث السمع والبصر، وإثبات الرؤية في الدار الآخرة، وهو: معتقد أئمة السلف قاطبة، وقد أكثر من التبويب للصفات الخبرية وغيرها إمعانًا منه في الرد على المريسية والجهمية في تأويلاتهم. وقد كان منهجه في عرض الصفات وسوقها منهجًا سلفيًا واضحًا، إذ يفصل في الإثبات مع الإجمال في النفي على طريقة القرآن

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت