الكريم، فمثلًا يقول:"يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويحب، ويبغض، ويكره، ويضحك، ويأمر، وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين ... الخ. ثم قال: - بعد أن ساق مجموعة من الصفات على النمط الذي ذكرنا-:"فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده بإله. (كفرانه لا غفرانه) 191 ا. هـ وقال الإمام الدارمي في كتابه الذي رد فيه على الجهمية: (باب الإيمان بالعرش) : وهو أحد ما أنكرته المعطلة، ثم قال: قال أبو سعيد:"وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا. وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام، وإليه نلجأ وبه نستعين192اهـ. هكذا ناقش الدارمي الجهمية بحرارة وبلهجة يظهر عليها التأثر الشديد من ذلك الإلحاد الذي فاجأه من حيث لا يتوقع. والمريسية التي ناقشها الإمام الدارمي ورد شبهها من أشد الطوائف الاعتزال تطرفًا، كما لا يخفى على كل مطلع على طوائف أهل الكلام. ولذا لا ينبغي أن يستغرب أن يناقشهم الإمام الدارمي بتلك الشدة وبهذه اللهجة القوية، لأن موقف القوم وتصرفاتهم مثير دون شك، رحم الله ذلك الإمام الغيور وأمثاله من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الذين خلدوا بجهادهم ودفاعهم المنهج، ليبقى ما بقيت الحياة. ومما يمتاز به المنهج السلفي، أن الذين ينهجونه لا يختلفون إلا في الأسلوب والتعبير على اختلاف أزمنتهم ومشاكلهم. وذلك راجع لوحدة المصدر لدعوتهم، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة الموضحة لمعاني النصوص إذ هم الذين حضروا نزول الوحي وفهموا النصوص فور نزولها، قبل أن يطول عليها العهد، ولذلك يحرص اللاحقون من السلف أن يقتدوا بالسابقين كما تقدم عند الحديث عن منهج السلف في إثبات الصفات. وقد رد الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية) على دعاة الضلال من المعطلة وعلى المغرضين من ذوي الديانات الأخرى، وله جهاد معروف ودفاع مشكور أجزل الله له المثوبة على جهاده. د- شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الإمام المجتهد السلفي المحدث المفسر البارع، وقد ترجم له غير واحد من العلماء، فذكروا أنه ولد ببلدة (حران) ، ثم حمل إلى دمشق، وهو ابن سبع سنين فنشأ بها، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة 661هـ193. ومما ذكروا في ترجمته أنه كان شديد العناية بالحديث، وقد دار على الشيوخ ونسخ الأجزاء وخرّج، وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي جميع علوم الإسلام. واطلع على الفلسفة، والمنطق فبرع فيهما وأخذ ينقض المنطق بشدة، ويرد على الفلاسفة بأسلوبهم وقواعدهم، ولقد كان شديد الاهتمام بشئون المسلمين العامة، فجاهد في الله بسيفه، وقلمه وبذل للمسلمين النصح والإرشاد. وقد حدث الإمام ابن تيمية في المسجد الأموي بدمشق كثيرًا، وله فيه (كرسي) خاص يحدث عليه، وليس من عادته أن يعظ الناس من على المنبر أو يخطب خطبة الجمعة، وإنما كان المعروف عنه التدريس والتأليف والإجابة على الأسئلة والحوار العلمي. وقد حدث بدمشق وفي مصر وكان معروفًا بالشجاعة والإقدام أيام حروب التتار. بل هو من المجاهدين المعدودين الذين جمعوا بين علوم عصرهم، وكان كثير النصح للولاة والسلاطين، بل كان يحثهم على الجهاد والدفاع عن العقيدة الإسلامية. ولما برز ابن تيمية في جميع الميادين، وأكثر من الدعوة إلى تصحيح العقيدة وإصلاح الأحكام، ومحاربة البدع وأنواع الشرك المنتشرة بين عوام المسلمين، ونقد علم الكلام وبين عواره وكشف عن شطحات المتصوفة، وإلحاد وحدة الوجود، ودعا إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، وتعظيم هدي الرسول، وألا يقدم قول أحد على سنته، وكان يدعو إلى عدم التقيد بمذهب معين، بل على المسلم أن يدور مع الحق حيث دار. كان يدعو إلى الإسلام بهذا الأسلوب الذي لم يكن شائعًا في بيئته، وعلى ذلك المنهج العام الذي عليه عامة الناس، دون أن يختار مجلًا لدعوته دون مجال. ولما فعل ذلك قامت قيامة المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة. وانضم إليهم بعض المتعصبين من المتفقه الذي هزت هذه الدعوة السلفية شعبيتهم الواسعة، فخافوا على مناصبهم ومراكزهم، وقد امتحن الشيخ بسبب دعوته الصريحة والقوية، فأوذي حتى سجن بقلعة القاهرة والإسكندرية وقلعة دمشق مرتين، وأخيرًا توفي بها في 20 من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (728هـ) . ولقد كان ابن تيمية شديدًا في نقض الفلاسفة، وقد بدد أوهامهم وأثبت لهم عدم صلاحية أدلتهم في المطالب الإلهية، فكان يقول رحمه الله:"العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل، والفرع. ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة، والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم بل أوضح ابن تيمية في مناسبات عديدة في كثير من كتبه أن آراء الفلاسفة أمشاج من الإلحاد والكفر والزندقة، وقد خاف من خطرها على الدين والفكر، فركز عليها في جهاده ودفاعه، ولقد كان عصره عصرًا مائجًا بالآراء المتباينة، والمذاهب المتضاربة، والعقائد المتنابذة التي أشرنا إليها سابقًا. 1 - من فلاسفة يخضعون لأرسطو وأفلاطون، ويقولون بقدم العالم. 2 - من متصوفة متأثرة بالفلاسفة أو هم أبناؤهم بل هُمْ هُمْ. وقد تطول غلاتهم في الحلول المطلق. وكان هذا من الميادين التي ركز عليها شيخ الإسلام في جهاده. 3 - ومن جهمية جريئة يعطلون صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، غير مبالين بالنصوص، وهم من ألد أعداء شيخ الإسلام، وإليهم وجه جلّ اهتمامه. 4 - الأشاعرة الذين كانوا يزعمون التوفيق بين المعتزلة، وبين منهج السلف، ولكنهم لم يفلحوا إذ ليس من الممكن التوفيق بين الحق والباطل، بل الواجب الانتصار للحق وإزهاق الباطل.
(يُتْبَعُ)