فهرس الكتاب

الصفحة 16775 من 28557

لابد لأبناء الحركات الإسلامية أن يستوعبوا الدروس التي دفعوا لها ثمنًا غاليًا من دماء أبنائها وحرماتهم وحرياتهم، بل ومن دعوتهم نفسها، فالله -تعالى- لم يكلفنا إلا ما نقدر عليه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة:286) ، والمعجوز عنه يصبح مقدورًا عليه بعد حين، إذا صدقنا في أدائنا لما نقدر عليه. والصدام غير محسوب العاقبة الذي يترتب عليه سفك الدماء المعصومة وانتهاك الحرمات، ولا يترتب عليه تغيير للواقع ولا إصلاح، بل إفساد، هو من سبيل الغواية لا سبيل الهداية.

ولابد كذلك في المصادمة السياسية -لمن سلك هذا الطريق- من نفس الموازين في المصالح والمفاسد، ولن يجدوا الأبواب مفتوحة لهم لمجرد أنهم لم يرفعوا السلاح، لا بل لابد من مراعاة موازين القوى محليًا ودوليًا قبل المشاركة أو المصادمة، حتى لا ندفع الثمن من ديننا أو دعوتنا أو مبادئنا -التي هي من نصوص الكتاب والسنة- في أمر لا يلزمنا ولا يتحقق منه كبير فائدة.

ولا تعني المرونة المطلوبة التنازل عن الثوابت والنصوص، وتمرير المشروعات العلمانية والبدعية والانحرافات إلى داخل العمل الإسلامي كما مررها الاستعمار إلى داخل المجتمعات المسلمة، فلابد من الثبات على المنهج الحق أما الوسائل فهي قابلة للأخذ والرد، والفعل والترك.

تعددت نوازل الأمة ومآسيها من الشيشان إلى أفغانستان ثم السودان والعراق والصومال، وقائمة لا تكاد تنتهي، وكلما تراجعت نازلة أفسحت المجال لأخرى ... فهل تراجع مشروع تحكيم الشريعة كعنوان رئيسي على أجندة الحركة الإسلامية لصالح صد العدوان عن بلاد المسلمين؟

تحكيم الشريعة جزء من صد العدوان على بلاد المسلمين، لا يتصور أن يتراجع أحدهما لصالح الآخر، فإنهم لو تنازلوا عنه لأفسح العدو لهم المجال أن يكونوا هم المنفذين لخططه، لكن المشكلة أن كثيرًا من الحركات الإسلامية تراجع عندها هذا الهدف تحت ضغط الظروف والمحن والبلاء الذي تمر به هذه الحركات، وهذا خطر عظيم بلا شك. فلا يلزمنا ما لا نقدر عليه من حدود أو حقوق، لكن اللازم علينا أن ننقل الحق إلى الأجيال القادمة ناصعًا كما جاءنا ووصلنا، رغم شدة وشراسة الهجمات السابقة، لكن وصل إلينا صوت الحق. أفبعد أن وصل إلينا صوت الحق ناصعا نلبّسه نحن على من بعدنا؟!

لا يجوز لنا ذلك، وإذا تمكنت طائفة من المسلمين من صد العدوان على جزء من بلادنا، وجب عليها إقامة الحق فيه وليس تأجيله، وتجربة طالبان ثم المحاكم الإسلامية في الصومال تجربة صادقة في هذا المجال، حتى ولو كانت النتائج الحالية غير سارة، فلم تأتنا الهزيمة بسبب إقامة الشرع، وإنما من عند أنفسنا أُتيِنا (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) ، (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى:30) ، فبسبب خلل في صفوف هذه الحركات حصل تسلط الأعداء حتى يتم التمحيص، والله المستعان.

تتهمكم بعض الكتابات بالتقصير في خوض غمار العمل السياسي، وأنكم تعدونه رجسًا من عمل الشيطان!! وأن السلفية سماؤها سقف المسجد، وفضاؤها جدرانه فقط، كيف تردون على هذه الاتهامات التي توجه إليكم؟ وهل حقًا أن السلفية منشغلة عن المعترك السياسي الإسلامي بالقلم والمحبرة؟ ولا زالت كما يقول البعض: تفترش النص وتلتحف بالأوراق؟!

العمل السياسي في حسنا جزء من ديننا، لأنه يشمل كل نواحي الحياة (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162 - 163) ، ولكن أي عمل سياسي، وبأي موازين نشارك، إذا كانت موازين القوى العالمية والمحلية تفرض علينا حتى نشارك في عملهم السياسي ولُعبتهم السياسية أن نقبل معطياتهم التي تتناقض مع عقيدتنا ونصوص كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت