فهرس الكتاب

الصفحة 16867 من 28557

فهذا الباب كله مما يوجب القتل ويكون به الرجل كافرا منافقا حلال الدم كان النبي وغيره من الانبياء عليهم السلام يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالا لقوله تعالى:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"... والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة، ثم الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة لفضلهم، وأحوج الناس اليها لما ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما كانوا عليه من العادات هو أمر لم يأت به أ حد إلا عودي، فالكلام الذي يؤذيهم يكفر به الرجل فيصير به محاربًا إن كان ذا عهد، ومرتدًا أو منافقًا إن كان ممن يظهر الإسلام، ولهم فيه أيضا حق الأدمي فجعل الله لهم أن يعفوا عن مثل هذا النوع ووسع عليهم ذلك لما فيه من حق الأدمي تغليبا لحق الادمي على حق الله كما جعل لمستحق القود وحد القذف أن يعفو عن القاتل والقاذف وأولى لما في جواز عفو الأنبياء ونحوهم من المصالح العظيمة المتعلقة بالنبي والأمة.

ومعلوم أن النيل منه أعظم من انتهاك المحارم لكن لما دخل فيه حقه كان الأمر إليه في العفو أو الانتقام، فكان يختار العفو، وربما أمر بالقتل إذا رأى المصلحة في ذلك بخلاف ما لا حق له فيه من زنا أو سرقة أو ظلم لغيره فإنه يجب عليه القيام به.

وقد كان أصحابه إذا رأوا من يؤذيه أرادوا قتله، لعلمهم بأنه يستحق القتل، فيعفوا عنه صلى الله عليه وسلم، ويبين لهم أن عفوه أصلح مع إقراره لهم على جواز قتله، ولو قتله قاتل قبل عفو النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرض له النبي صلى الله عليه وسلم، لعلمه بأنه قد انتصر لله ولرسوله، بل يحمده على ذلك ويثني عليه، كما قتل عمر رضي الله عنه الرجل الذي لم يرض بحكمه، وكما قتل رجل بنت مروان، وآخر اليهودية السابة، فإذا تعذر عفوه بموته صلى الله عليه وسلم بقى حقًا محضًا لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه، فيجب إقامته، ويبين ذلك ما روا إبراهيم بن الحكم بن أبان:

حدثني أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء فأعطاه شيئًا ثم قال: أحسنت إليك؟ قال الأعرابي لا، ولا أجملت، قال: فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام فدخل منزله ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت، يعني فأعطاه فرضي، فقال: إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك، فقلت ما قلت، وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك، فإن أجبت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك، قال: نعم، فلما كان الغد أو العشي جاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صاحبكم جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي، أكذلك؟ قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فاتبعاها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فجاءت فاستناخت، فشد عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار) .

ورواه أبو أحمد العسكري بهذا الإسناد قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أعطني فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، فأغلظ للنبي صلى الله عليه وسلم، فوثب إليه أصحابه فقالوا: يا عدو الله تقول هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وذكره بهذا يبين لك أن قتل ذلك الرجل لأجل قوله ما قال كان جائزًا قبل الاستتابة وأنه صار كافرًا بتلك الكلمة، ولولا ذلك لما كان يدخل النار إذا قتل على مجرد تلك الكلمة، بل كان يدخل الجنة لأنه مظلوم شهيد، وكان قاتله دخل النار لأنه قتل مؤمنًا متعمدًا.) أ. هـ الصارم المسلول (233) .

فالحقوق ثلاثة أنواع:

منها ما هو حق خالص لله: وهي التي إذا اتهكت لم يجز التهاون فيها والتي يغضب لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتقم.

ومنها ما هو خالص للعبد: وله أن يعفو ويصفح عمن أساء له.

ومنها ما اختلط فيه الحقان: ويغلب حق الله فيه أحيانًا، ويغلب حق العبد أحيانًا أخرى على تفصيل معلوم في كتب أهل العلم.

والله أعلم وأحكم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت