فهرس الكتاب

الصفحة 16950 من 28557

بينما خرجت جماعة أنصار السنة برئاسة الشيخ حامد الفقي - رحمه الله - بفكرة العمل على تثقيف المسلم بالثقافة التي تعصمه، وكان السؤال الملح: كيف نحرر المسلم من ثقافة القطيع؟ حيث كان التصوف منتشرًا بشكل كبير، وكان انحرافه انحرافًا واسعًا. وبناء على هذه الثقافة قال الناس: «إن كل شيء بقدر الله عز وجل، بل ربما يكون هذا الواقع عقوبة» ، وبالطبع هذه المعاني أصلها صحيح لكن إذا أدت إلى الركون والرضى بالواقع المر فهذا أثر فاسد، فنحن نعاقَب، والأمة في زمن الغثائية تعاقب، والعقوبة قد تكون جماعية، لكن ليس من العقوبة أن نرضى بهذا؛ لذلك كانت الفكرة عند جماعة أنصار السنة دعوة الناس إلى التوحيد الخالص.

ركزت الدعوة في البداية على الصدام مع أصحاب الدعوات المنحرفة، فكانت لا توجد قرية من قرى مصر إلا وفيها ضريح ومولد. (وطبقات الشعراني) [1] ترسم صورة هذا الواقع المر بوضوح، وأذكر وأنا في المرحلة الإعدادية عندما حدثتْ نكسة 1967م كنا نقول: لا تخافوا فبلدنا محاطة بالأولياء الذين سيحموننا. فقد زرعوا في قلوبنا أن هؤلاء الأولياء سيدفعون عن بلدنا الطائرات والقنابل والصواريخ، وهذه العقيدة كانت تورَث على مدار الأجيال المتعاقبة. وجماعة أنصار السنة صارعت وجاهدت مجاهدة شديدة في هذا الباب، وجُوبهت في البداية بردِّ فعل عنيف، واتُّهمت بالعمالة للوهابية وأنها من الخوارج وأنها لا تدين بالمذاهب الأربعة، والطعن فيهم إلى أقصى حدٍّ.

ونظرًا لعلم الشيخ حامد الفقي - رحمه الله - وتأثيره فقد أخذ تلاميذه يلتفون حوله، وبدؤوا يتحررون من الولاء للأولياء وقبورهم، وشعروا أنهم أصبحوا أحرارًا، وأصبحوا خطباء ودعاة، ومن هنا كانت بداية انطلاق جماعة أنصار السنة التي انتشرت في ربوع مصر، ثم خرجت إلى السودان والشام والعراق وغيرها من الدول الإسلامية، وهذا الخروج لم يكن منظَّمًا بل عن طريق أفراد تأثروا بالدعوة وعندما عادوا إلى بلادهم نشطوا في الدعوة وأسسوا فروع جماعة أنصار السنة.

ودائمًا أنظر إلى تأثير جماعة أنصار السنة من خلال تجربتي الشخصية، فما كنت أعلم شيئًا عن جماعة أنصار السنة، فقد كنت أطلب العلم بوصفي من أسرة متدينة، فالوالد والجد يصعدان المنابر، وللعائلة علاقة بالبيئة الدعوية، لكن بعد ذلك عندما وقع الاحتكاك بدعاة جماعة أنصار السنة في بلدتنا بدأت أتأثر بهم، حيث وجدتهم أصحاب فكر وعقلية تحترم الكتاب والسنة والبحث العلمي، وتعلمك كيف تبحث في المسألة وكيف تعرف الدليل، ولا تقول: قال الشافعية أو الحنفية دون أن تدري من أين أخذوا واستنبطوا، لكن تعلمك كيف تصيب الدليل، وكيف تفهم مناط الدليل، وكيف تحقق هذا المناط، وكيف تصل إلى كبد الحقيقة والمراد في المسألة.

وقد واجهت جماعة أنصار السنة حربًا شعواء في بلدتي، وقد كنت أميل إلى هذه الجبهات المناوئة، فقد كنا نسمع أن جماعة أنصار السنة لا يحبون النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنهم يقولون: إن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - محرمة، وقراءة القرآن في المساجد محرمة، والأولياء لا فضل لهم، وهذه الدعاوى تستفز أي مسلم، لكن لما اقتربت من جماعة أنصار السنة اكتشفت أن هذه الأقوال إنما هي حرب دعائية مضللة ضد الجماعة.

وكان أكثر من أثَّر في شخصيتي هو الشيخ الفاضل والمعلم الكبير الشيخ محمد صفوت نور الدين - رحمه الله - الرئيس السابق لجماعة أنصار السنة، فقد كان أستاذي في المرحلة الثانوية، وعندما اقتربت منه وجدته مؤدبًا ومعلمًا ومربيًا، وكان له ولعلماء جماعة أنصار السنة تأثير كبير جدًا على أهل بلدتنا، حيث بدأنا ندرس على أيديهم في حلقات علمية متخصصة وجلسات للبحوث، وهذه كانت نواة لمعاهد إعداد الدعاة بعد ذلك، وقد حوَّلني الشيخ - رحمه الله - إلى مجال الدعوة كليًا، ودفعني إلى استثمار دراستي في كلية الحقوق والماجستير والدكتوراه في تحصيل العلم الشرعي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت