فهرس الكتاب

الصفحة 17007 من 28557

أولًا: سار في (( شرحه ) )في مسائل الصفات على نهج المازري والقاضي عياض، فما من موطن من المواطن التي أول فيها الصفات إلا وينقل إما عن المازري أو القاضي عياض، ويصرح بذلك تارة، ويلمح أخرى، ويأتي بالنص أحيانًا، وينقله بالمعنى في أحايين أخرى، وقد اعتنيت بكشف ما تحقق لي من ذلك في هذه الدراسة، ولله الحمد والمنَّة ,

ثانيًا: لم يكن الإمام النووي _ رحمه الله تعالى _ محققًا في هذا الباب، وإنما وقعت له عبارات من سبقه من العلماء، فارتضاها من غير تمحيص وتحقيق وتدقيق، وصدقت عليه فيها مقولة الأسنوي لما قال عنه في أوائل (( المهمات ) ):

(( أعلم أن الشيخ محي الدين النووي _ رحمه الله _ لما تأهل للنظر تصنيفًا ينتفع به الناظر فيه، فجعل تصنيفه تحصيلًا، وتحصيله تصنيفًا، وهو غرض صحيح، وقصد جميل، ولولا ذلك لم يتيسَّر له من التصانيف ما تيسر له.

وأما الرافعي فإنه سلك مسلك الطريق العالية فلم يتصدر للتأليف إلا بعد كمال انتهائه،_ وكذا ابن الرفعة_ رحمة الله عليهم أجمعين )) .

ثالثًا: كان _ رحمه الله تعالى_ في عصرٍ قريب عهد بانتشار مذهب الأشاعرة، (( فمن المعلوم أن إمام الأشعرية المتأخر الذي ضبط المذهب وقعد أصوله هو الفخر الرازي(ت 606هـ) ، ثم خلفه الآمدي (ت631هـ) ، و الآرموي (ت682هـ) فنشرا فكره في الشام ومصر، واستوفيا بعض القضايا في المذهب )).

فتأثر _ رحمه الله تعالى _ بكلام هؤلاء وغيرهم،إذ كان ما ضبطوه وقعدوه هو السائد المنتشر آنذاك، لاسيما في الديار الشامية والمصرية، ولم يقيض الله _ بعد _من يمحص كلام هؤلاء، كما وقع لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإن كتابه (( درء التعارض ) )_ مثلًا _ قائم موضوعه على رد ما كتبه هؤلاء الثلاثة.

ولو أن الله يسر له _ رحمه الله _ كما يسر لتلميذه ابن العطار شيوخًا أو تلاميذ ممن اتضحت لهم معالم أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات لغير وبدل.

فإن ابن العطار اشتغل على شيخه النووي، ولازمه فترة حتى كان يُقال له: (( مختصر النووي ) )وقد يختصر فيقال: (( المختصر ) ).

وكان من شدة إعجابه بشيخه _ويحقق له ذلك_ قد انقطع فترة تزيد عن ست سنوات إلى التلمذة عليه، والأخذ منه، فها هو يقول: (وكانت مدة صحبتي له،مقتصرًا عليه دون غيره، من أول سنة سبعين وست مئة وقبلها بيسير إلى حين وفاته ) ) ، حتى أنه حفظ كتاب (( التَّنبيه ) )بين يديه، وكان النووي _ رحمه الله تعالى _ يثق بمقدرة تلميذه العلمية، والدليل عليها ما قال التلميذ عن نفسه: (( وأذن لي _ رضي الله عنه _ في إصلاح ما يقع لي في تصانيفه، فأصلحت بحضرته أشياء، فكتبه بخطه، وأقرني عليه، ودفع إلى ورقة بعدة الكتب التي كان يكتب منها ويصنف بخطه، وقال لي: إذا انتقلت إلى الله تعالى، فأتمم (( شرح المهذب ) )من هذه الكتب، فلم يقدر ذلك لي )) .

وكان يعلل ابن العطار أخذه على شيخه في الدرس، بقوله:

(( لا تسقط الثمرة من الشجرة إلا بهز الأفنان أو التَّقطف بالبنان ) )

أقول: على الرغم من هذه العلاقة الشديدة الوطيدة بين النووي وتلميذه ابن العطار، إلا أن ابن العطار تأثر بعصره الذي كان فيه شيخ الإسلام، وتأثر ببعض من أخذ عنه كالذهبي _وكان أخاه لأمه من الرضاعة_،وظهرت آثار هذا التأثر بكتاب صنفه في التوحيد بعنوان (( الاعتقاد الخالص من الشك و الانتقاد ) )نصر فيه العقيدة السلفية، وإليك جملًا منه:

قال _ رحمه الله تعالى: (( يجب أن نعتقد أن ما أثبته الله في كتبه على لسان رُسله _صلوات الله عليهم وسلامه _ حق، وأن جميع ما فيها من الموجود والإيجاد الثابتين للإلهية والتنزيه عن الحدث والمحدث وصفاتهما حق ) ).

وقال: (( فإذا ثبت نصًا في الكتاب العزيز والسنة النبوية على قائلها أفضل الصلاة والتسليم أنه سبحانه خلق آدم بيده، وأنه قال لإبليس: {ما مَنَعكَ أن تَسجُدَ لمَا خَلقتُ بِيَديَّ} .

وثبت في (( الصحيح ) )في محاجة آدم وموسى قوله له: (( خَلَقَك الله بيده ) ).

وقال صلى اله عليه وسلم حاكيًا عن ربه:

(( لا أجعل ذريتي من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان ) ).

وقوله صلى الله عليه وسلم:

(( خلق الله الفردوس بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة لموسى بيده ) ).

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت