فهرس الكتاب

الصفحة 17008 من 28557

وغير ذلك من الأخبار، وجب علينا اعتقاد أن ذلك حق، وحرم علينا أن نقول: إن الله تعالى خاطبنا بما نفهم، ولا نفهم اليد إلا ذات الكف و الأصابع فتشبِّهه بخلقه فيُفضي إلى التجسيم، تبارك الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرًا.

أو نقول: المراد النعمتين أو القدرتين، لأنه تعذر حمله على اليد التي نفهمها فتعين حمله على ذلك خوفًا من التشبيه!!

وهذا تحريف لما فيه من التعطيل، كيف والإجماع على أن الصفات توقيفيه، ولم يثبت ذلك بالمراد على ما تأولوه، وهو فعل المعتزلة و الجهمية، أعاذنا الله من ذلك، فتعين تنزيه الباري _ عز وجل_ عن التشبيه والتعطيل بكشف التحريف والتكييف والتمثيل، والأخذ بقوله تعالى: {ليس كمِثله شيء وهو السميع البصير} .

منا من الله _ تعالى _ بالتفهيم والتعريف لسلوك التوحيد والتنزيه، وكذا القول في جميع ما ثبت من ذلك، واله يعلم المفسد من المصلح ))

قلت: ما أثبته ابن العطار من صفة اليد لله _عز وجل _، اضطرب فيه شيخُه النووي، فجنح إلى التأويل الذي نفاه وخطأه التلميذ، كما تراه في هذا الكتاب.

وقال ابن العطار: (( فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعظمة، والمشيئة، والإرادة، والقول، والكلام، و الرضى، والسخط، والحب، والبغض، والفرح، والضحك،: وجب اعتقاد حقيقته من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله _ سبحانه _ورسوله صلى الله عليه وسلم من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتضعه عليه، والإمساك عما سوى ذلك ) ).

قلت: قوله: (( ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتضعه عليه ) )ينسف ما مال إليه النووي من أن مذهب السلف التفويض كما سيأتي بيان ذلك عنه، وتفنيد حججه.

وفي مقولة ابن العطار إثبات جملة من صفات الفعل لله _ عز وجل _، لم يوفق شيخه النووي إلى الحق فيها، وإنما أخذ في تأويلها، كما تراه مبسوطًا في موطنه من هذا الكتاب.

وقال ابن العطار أيضًا: (( وقد نفى بعضهم النزول وضعف الأحاديث أو تأولها خوفًا من التحيز أو الحركة والانتقال الملازمين للأجسام والمحدثين، والمحققون أثبتوها وأوجبوا الإيمان بها كما يشاء سبحانه ) ).

وقال: (( وجميع الآيات والأحاديث الثابتات من المجيء، والنزول، وإثبات الوجه، وغير ذلك من الصفات أوجب العلماء الإيمان بها، وعدم التفكر فيها، أو تصورها ) ).

وقد تأول النووي _كما تراه مبسوطًا في هذا الكتاب _المجيء والنزول.

وحاصل ما أريد تقريره وتأكيده هنا:أن ابن العطار على الرغم من حبه الشديد لشيخه النووي، وأنه انقطع في الأخذ عنه ست سنين، ومع هذا فلم يتابعه على أخطائه في الأسماء والصفات، لأنه عاش عصرًا غير عصر شيخه، ووقف على تحقيق وتمحيص لم يكن سائدًا أيام النووي في مثل هذه القضية الاعتقادية المهمة جدًا.

* سبب الاختلاف في تحديد عقيدة الإمام النووي:

لعله ظهر لك _أخي القارئ _ سبب الاشتباه في نسبة الإمام النووي للأشاعرة، أو أهل السنة، فهو قد وافق الأشاعرة من خلال النقل عن مصنفاتهم، والسكوت عنها، بل تصريحه في بعض الأحايين بقبولها، ووافق السلف في كثير من عقيدتهم، لتأثره واشتغاله بالنقل، وابتعاده عن علم الكلام، والخوض في تفصيلاته، فالناظر إلى المواضع التي قرر فيها عقيدة أهل السنة، ونافح عنها، ورد فيها على أهل البدع والضلالة يعده سلفيًا، فهذا التداخل هو أصل الاشتباه و اللبس.

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية لمَّا قال: (( وقلَّ طائفة من المتأخرين إلا وقع في كلامها نوع غلط لكثرة ما وقع من شُبه أهل البدع، ولهذا يوجد في كثير من المصنفات في أصول الفقه، وأصول الدين، والفقه، والزهد، والتفسير، والحديث، من يذكر في الأصل العظيم عدة أقوال، ويحكي من مقالات الناس ألوانًا، والقول الذي بعث الله به رسوله لا يذكره، لعدم علمه به، لا لكراهية لما عليه الرسول ) ).

قلت: وقوله هذا ينطبق تمامًا على الإمام أبي زكريا النووي رحمه الله تعالى.

موقفنا من الإمام النووي _ رحمه الله تعالى _وتأويلاته:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت