فهرس الكتاب

الصفحة 17027 من 28557

وقد ذكر هؤلاء الأفاضل فوائد عزلتهم عن الناس من التفرغ للعبادة، والإستئناس بمناجاة الله لتحقيق معرفته، ثم السلامة من الوقوع في المعاصي وانقطاع أسبابها من الزور كالغيبة والنميمة، و الرياء و العجب ومسارقة الطبع من أخلاق الناس الرديئة، ثم إن كثيرا ممّن يعاشر الناس يصطدم بما لا يحمد من أخلاقهم فهنالك يجد الكبرياء، والزهو، والطمع، و التلون ونكران الصنيعة، ونكث العهد، ولا نجاة من هذه الشرور إلا في العزلة (17) ولسان حالهم يقول:

ولما بلوت الناس أطلب ماجدا أحادثه عند ارتكاب الشدائد

فلم أر فيما ساعدني غير شامت ولم أر فيما سرني غير حاسد

لذا كان التخلص من شرهم وأذيتهم صيانة للدين عن الخوض في الخصومات و الفتن. قال عمر رضي الله عنه في العزلة راحة من خلطاء السوء.

العلماءالقائلون بالخلطة وأدلتهم

وممّن رأى باستحباب الخلطة والاختلاط بالناس سعيد بن المسيّب، وابن أبي ليلى، وهشام بن عروة، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد، وسفيان بن عيينة، وشريح القاضي وعامر الشعبي (18) وهو قول الجمهور والسلف واستدلوا كذلك بالوحيين على ماذهبوا إليه.

فمن الكتاب قوله تعالى: (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكروأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ... ) ) (19) وقوله تعالى: (( إنما المؤمنون إخوة ) ) (20) وقوله تعالى: (( وشاورهم في الأمر ) ) (21)

ولا تكون مشورة إلا بالاجتماع معهم لا بالعزلة عنهم، وقوله تعالى: (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ) (22) .

ومن السنّة قوله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهروالحمى) رواه الشيخان، (23) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن مرآة أخيه والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه) البخاري في الأدب المفرد (،24) وعن بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبرعلى أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولايصبر على أذاهم) الترمذي وغيره (25) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (المؤمن مرآة أخيه إذا رأى فيه عيبا أصلحه) البخاري في الأدب (26) .

وعلى هذا جرى العمل في حياة الأنبياء و المرسلين، حيث عايشوا مجتمعات طغت عليها دنايا النفوس، وانقلبت موازين الأمور، وانتشر فيها الغي والفساد، وانعدمت فيها مكارم الأخلاق، وما ملّوا وما كلّوا في تبليغ رسالات ربهم وأداء الأمانة الملقاة على عاتقهم، وصبروا على أذى أقوامهم حتى أظهرهم الله عليهم وجعل العاقبة لهم ولأتباعهم إلى زمان المصطفى الأمين صلى الله عليه وسلم وما جرى له مع قومه .. إلى أن كمّل الله له الدّين وأتمّ عليه النعمة، وفتح الله به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وأقر عينه بالفتح المبين والنصر المستبين ..

وقد ألقوا بين أيديهم عدة أسئلة ...

-هل إذا اعتزل الناس سيصلح المجتمع؟ فمن سيقوم بواجب التبليغ، و الأمربالمعروف والنهي عن المنكر؟

-وإذا انسحب الصالحون و المصلحون من الساحة من سيقود الجمع؟ فلم الرضا بالضعف و التقهقر في مهاوي الإحباط،

-العزلة ضعف وعجز وهروب من الواجهة، ثم إنّ في المخالطة من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد من الاستعانة بالغير والقيام بحاجاتهم من تعلّم وتعليم، ونفع وانتفاع، وتأدّب وتأديب وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

فصل النزاع:

الفاصل بين الاختلاط بالناس والانعزال عنهم هو تحقّق الانتفاع بالمخالطة:

-من تعلّم العلوم الشرعية

-أو مصاحبة العلماء والزهّاد

-أوالتحلّي بالأخلاق الحميدة

-والقيام بشعائر الإسلام

-وتكثير سواد المسلمين

-وإيصال أنواع الخير لهم من إعانة وإغاثة وعيادة وغيرذلك.

أما إذاترتّب على هذا الاختلاط مفاسد عظيمة:

-كالاشتغال عن ذكر اللّه أو الوقوع في المعاصي أو ارتكاب الأخلاق المرذولة، كان من الأولى العزلة مع مراعاة للآداب والضوابط:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت