فهرس الكتاب

الصفحة 17028 من 28557

-كأن يعتقد أن عزلته عنهم ليسلم الناس من شرّه فيدفعه ذلك إلى استصغار نفسه والتواضع لا أن يسلم هو من شرّهم فيذهب به الحال إلى العجب بالنّفس والاستعلاء على الخلق، والإخلال بحقوق الآخرين كالسعي في حاجاتهم بالنّفس والنفيس والغالي والثمين، قال الإمام الخطابي:"إنّ العزلة يجب أن تكون تابعة للحاجة وجارية مع المصلحة ("27)

وقد لمح الحافظ في الفتح إلى هذا القيد بعبارة هي أدق وأشمل وأوفى، (28) فيقول:"ولسنا نريد - رحمك اللّه- بهذه العزلة التي نختارها مفارقة النّاس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات من إفشاء السّلام، ورد ّالتّحيات وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنّها مستثناة بشرائطها جارية على سيلها ما لم يحلّ دونها شغل ولا يمنع عنها مانع عذر، إنّما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة، ونبذ الزيادة منها، وحطّ العلاوة التي لا حاجة بك إليها" (29)

ويقول الإمام علي القاري:"و المختار هو التوسّط بين العزلة عن أكثر النّاس وعوامّهم، والخلطة بالصالحين، والاجتماع مع عامّتهم في نحو جمعهم وجماعاتهم" (30) ،

ولا تصلح العزلة لعامّة الناّس بابتعادهم عن النّاس وعن أهل العلم منهم خاصّة لأنّهم لايقوون على مقاومة الشيطان لأنه يأكل من القاصية ..

-لذا قال الخطابي"فالعزلة إنّما تنفع العلماء العقلاء، وهي من أضرّ شيء على الجهّال"، (31) - وقال ابن الجوزي"ولكن لا يصح هذاإلاللعالم فإنّه إذا اعتزل الجاهل فاته العلم فتخبط"، (32) - وقال الرّبيع بن خثيم"تفقّه ثمّ اعتزل"وقال بعض العارفين"العزلة بغير عين العلم زلّة، وبغير زاي الزهد علّة" (33)

فضابطها العلم بالكتاب والسنّة الصحيحة، وزهد القلب والبدن عمّا في أيدي النّاس من متاع الدنيا وبهرجها، فالعزلة تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال.

قال الإمام ابن الوزيرـ رحمه اللّه ـ:"اعلم أنّ الخلوة غير مقصودة لنفسها، وإنّما هي وسيلة لترك المآثم والمهالك، وتزكية النّفس بالفضائل، وتطهيرها من الرذائل، وأنت وإن خلوت من النّاس، فما خلوت من النّفس، وإن خلوت من شياطين الإنس، فما خلوت من شياطين الجنّ، فلا تحسب أنّه قد حصل لك المقصود بمجرّد الخلوة، ولا بلغت المراد، فمتى عرف الإنسان مقدار ما أنعم اللّه عليه من نعمتَيْ الإسلام والعافية، وما صُرِف عنه من الشواغل إلى الآخرة، وشربت عروق قلبه الرّضا بتدبير اللّه، وذاق حلاوة التوكّل على اللّه، والتفويض إليه، والثقة به،فإنّه حينئذ أنشط النّاس إلى لقاء اللّه ـ عزّوجلّ ـ على أحسن الأحوال إلى اللّه تعالى، وأحذرهم من لقاء اللّه تعالى على الحال التي يكرهها اللّه تعالى منه، والله أعلم وأحكم وله الأمر من قبل ومن بعد وصلّى الله على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا (.34) ."

1ـ الحجرات ـ الآية (13)

2ـ الأشباه والنظائرللسبكي (1/ 368)

3ـ الفتح (11/ 374ـ376) ـ باب العزلة من خلطاء السوء

4ـ الترغيب والترهيب (3/ 439ـ445)

5ـ الموافقات (6/ 91)

6ـ كشف الظنون (2/ 1138) والسير (13/ 401ـ403)

7ـ لسان العرب (2/ 767) وتاج العروس (8/ 14)

8ـ التعريفات (123)

9ـ الإحياء (2/ 222)

10ـ مريم ـالآية (48)

11ـ الكهف ـ الآية (16)

12ـ تفسير ابن كثير (4/ 371)

13ـ البخاري (2786) ومسلم (1888)

14ـ مسلم (1889)

15ـ البخاري مع الفتح (13/ 40)

16ـ نفس المصدر

17ـ بدائع الفوائد (2/ 273ـ274)

18ـ الإحياء (2/ 222)

19ـ الحجرات ـ الآية (13)

20ـ الحجرات ـ الآية (10)

21ـ آل عمران ـالآية (159)

22ـ التوبة ـ الآية (71)

23ـ البخاري (6011) ومسلم (2586)

24ـ الأدب المفرد (1/ 385)

25ـ الترمذي (2507) وغيره، أنظر الصحيحة (رقم939)

26ـ الأدب المفرد (1/ 283)

27ـ العزلة (ص15ـ16)

28ـ الفتح (13/ 43)

29ـ العزلة (ص28ـ29)

30ـ مرقاة المفاتيح (4/ 743)

31ـ العزلة (105)

32ـ الآداب الشرعية (3/ 450)

33ـ مرقاة المفاتيح (743)

34ـ العزلة لابن الوزير (ص172ـ173)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت