فهرس الكتاب

الصفحة 17092 من 28557

ترى في مجالس طلبة العلم، كل أحد يتكلم في كل شيء .. مهما كانت المسألة دقيقة أو خطيرة فلابد أن يكون له قول ورأي وكلام! حتى إن نقل فتيا لأحد العلماء تراه ينازع عليها وينتصر لها وكأنه وقف على سائر ما للمسألة من وجوه وللأدلة فيها من موارد وتأهل للنظر فيها! وترى الطالب في منتديات طلبة العلم يفرش بساطه وينشر كلامه في كل الموضوعات وفي كل المسائل، لا يكاد يفوته موضوع إلا شارك فيه وجادل ومارى .. وما هكذا كان حال أئمتنا وسادتنا من الصحابة والسلف رضي الله عنهم أبدا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فالمشكلة في جهل الطالب بحد التقليد وحد الاجتهاد، وفقدانه لمن يبصره بهذا الأمر بالنظر في حاله هو ومنزلته هو من التحصيل والتأصيل والطلب!

فالتعصب في الحقيقة هو سبب ذاك الداء وأسه! فالآن - كما ذكرت أنت - لم يعد الطالب يقلد إماما من أئمة المذاهب حتى إذا ما أصابه مرض التعصب رأيته يتعصب لمذهب فنيت أجيال من العلماء عبر قرون الأمة في تدارسه والتأصيل له، ولكنه يقلد شيخا معاصرا تتلمذ على يديه فهو يتعصب له ويغلو فيه! فانتقل المتعصبة من تعصب مذموم في التقليد، إلى تعصب أشد مذمة! ذلك أن تلك المذاهب المتبوعة قد أجمعت الأمة على جواز التمذهب بها للمقلدين، وعلى إمامة أئمتها في الدين .. أما الشيخ فلان والشيخ فلان ممن نبذوا ذلك كله وادعوا الاجتهاد المطلق في زماننا فهؤلاء كثير منهم لا أصول لهم يقفون عليها بالأساس، بل كثير منهم شَيَّخَهم أتباعهم وأقرانهم وحملوهم إلى المنابر فتمشيخوا!! فأصبح المعيار اليوم عند الطالب المتعصب أن قول شيخه صواب واجتهاده حق وهو السنة وقول غيره - وإن كان من أئمة السلف السابقين - ضلال يخرج صاحبه من دائرة"السلفيين"!! فإن قلنا له فلنحتكم إذن للدليل، رأيناه لا يميز البوع من الكرسوع، ويحطب بليل بهيم، ويريد إلزامنا بمثل ما هو فيه! تراه يجترئ بكل سهولة على من هو أعلى منزلة وأسمى مقاما من شيخه هذا، من أئمة المتقدمين وعلماء السلف المجمع على إمامتهم عبر قرون الأمة، لمجرد أن خالف شيخُه ذاك الإمام في مسألة اجتهادية! وإذا ما جادلته وجدته يقول:"لا سبيل لفهم الدين إلا عبر الشيخ فلان والشيخ فلان المعاصرين .. هؤلاء هم أهل السنة وأئمة هذا الزمان ومن خالفهم في قليل أو كثير فليس (سلفيا) وأنا منه بريء!"

والمشكلة أن مثل هذا المسكين لا يلزم حده كمقلد لا يزال على باب الطلب، فينكفئ على أمر نفسه ويمسك عليه لسانه ويعد العدة التي يصبح بها الرجال رجالا، بل تراه يناطح السحاب ويريد إلزام غيره من طلبة العلم بأن يقلدوا شيخه هذا كما قلده هو، مهما كان هؤلاء الطلبة أرفع منه علما وأكثر أهلية للنظر!!

ترى الأخ الطيب من إخواننا ينظر إلى نفسه وقد قرأ كتابين وحضر بضعة دروس، وله سمت طلبة العلم، والعامة من حوله يلقبونه بالشيخ، فيقول في نفسه:"أنا حسن الصوت وأحسن الإلقاء، فلماذا لا أحتسب وأصعد على المنبر لأعلم الناس دينهم، بدلا من أن يترك المكان للصوفية والمبتدعة ليضلوهم؟"فتراه يصعد المنبر ويخطب ويتكلم ولكن هل أجازه أحد؟ هل تابعه شيخ من العلماء أو حتى شهد له بعض طلبة العلم المشهود لهم بالعلم؟؟ كلا! هو أجاز نفسه وانطلق، فإذا به يفسد في الناس من حيث يحسب أنه يحسن صنعا!!

فالمشكلة يا كرام ليست في سهولة طلب العلم في زماننا وتوفر السبيل أمام كل أحد للتوسع فيه ولكن في مرض القلوب وفي استحكام الجهل والتعصب والتقليد الأعمى ممن يدعون أنهم أعداء للتقليد وهم في الحقيقة من أذم الناس تقليدا، هم وبعض شيوخهم من قبلهم، والله المستعان!! والمشكلة كذلك في تفريط أكثر العلماء والمشايخ في الضبط التربوي لتلامذتهم ولمجالسهم!

ولقد كان من هدي السلف ألا يسمح الشيخ العالم لكل أحد بأن يتوسع في العلم الكفائي هكذا كما يحلو له، فهذا العلم أمانة يحملها من كل خلف عدوله، ولا تعطى للسِفلة من الخلق ولا لذوي النفوس الدنية والمعادن الصدية! فمن صيانة العلم وحفظه، أن تنظر في حال الوعاء الذي تريد أن تودعه فيه! هذا أمر خطير، قلما تجد من يقوم به من العلماء في زماننا .. أن يقول لشاب من الشباب:"يكفيك هذا القدر من العلم الشرعي فلا تزد عليه، وإنصرف إلى ما هو أنسب لك من الصناعات فهي بك أجدر، وأنت بها للأمة أنفع!"نعم نحن في زمان غربة وفي حاجة إلى زيادة الدعاة وطلبة العلم ليرشدوا الناس ويعلموهم دينهم، ولكن أهذا هو حال من نريد إعدادهم وإخراجهم للوقوف على المنابر ودعوة الناس؟؟ هذه الفوضى وبال - والله - على العلم وعلى الدعوة! ولو أن في كل بلدة عشرة فقط من طلبة العلم الأكفاء النبغاء الأذكياء الفضلاء المنصفين ذوي الخلق الحسن والنفس الطيبة والسلوك القويم والطبع الكريم، لكان خيرا لأهل تلك البلدة من مئات من الأقزام المتعالمين ذوي النفوس الخربة المريضة، والمعادن الفاسدة والأذهان الضيقة المجترئين على ما لا يحسنون! فلا يغتر شيخ من المشايخ بكثرة الحضور له في درسه فمن هؤلاء - والله - من حري به لو عرف حاله أن يطرده من مجلسه ولا يعقب!!

ولهذا لم تكن عند سلفنا تلك الفوضى العارمة في أوساط طلبة العلم التي نراها الآن، التي هي من فتن هذا الزمان ولا حول ولا قوة إلا بالله .. فمشكلتنا ليست مشكلة"كم"بقدر ما هي مشكلة"كيف"!!

أما الاجتهاد وطرقه وسبله فبراء من صنيع هؤلاء الذين أشرتَ إليهم ومن سوء فهمهم وضيق عقولهم، وهو عنهم بعيد بعد المشرقين، والله المستعان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت